نبضة النهضة

ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تفرد بالملك والملكوت وتوحد بالعظمة والجبروت، والذي لا يسهو ولا ينام ولا يموت، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: إن سنة الله تعالى جارية في الكون منذ أن خلق الأرض والسماوات، وصوّر الحيوانات والجمادات، فكل حدث يستجد في العالم مرتبط بتلك السنن المحكمة […]

المزيد‎


المضاربة والإجارة: أهم مصطلحات التمويل الإسلامي


بقلم: محمد عبد الجليل

المضاربة:

المضاربة أداة استثمارية طويلة الأجل تقوم في جوهرها على تلاقي أصحاب المال وأصحاب الخبرات بحيث يقدم الطرف الأول ماله بينما الطرف الثاني يقدم خبرته بغرض تحقيق الربح الحلال الذي يقسم عليهما بقسط متفق عليه.

والمضاربة اسم مشتق من «الضرب في الأرض» بمعنى السفر، وهو من مستلزمات التجارة قال تعالى «وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله».

فلا خلاف بين الفقهاء على مشروعية المضاربة وجوازها وأنها كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام، فقد قال ابن عبد البر رحمه الله: «والقراض مأخوذ من الإجماع الذي لا خلاف فيه عند أحد من أهل العلم، وكان في الجاهلية فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وقد عرّفها الحنفية «بأنها عقد شركة في الربح بمال من جانب وعمل من جانب» وعرّفها الحنابلة «دفع مال إلى آخر ليتجر به والربح بينهما» وأما المالكية فقالوا «أن يعطي الرجل المال على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال».

والقراض الذي نجد بحثه في كتب الفقهاء المتقدمين يرادف المضاربة، وهو إذن شركة في الربح بمال من جانب يسمى رب المال، وعمل من جانب آخر يسمى المضارب، وتجري المضاربة في البنك الإسلامي في صورتين، الأولى أن يتقدم المودّعين أموالهم بصفتهم أرباب المال ليعمل فيها البنك الإسلامي مستفيدا من خبراته وموارده، وفي هذه الصورة يكون البنك الإسلامي المضارب والمودعون أرباب المال، والثاني أن يتقدم البنك لشخص معين بماله ليتجر فيه، وفي هذه الصورة يكون البنك الإسلامي رب المال والشخص الذي يتخذ ذلك المال يكون مضاربا.

ومن أركان المضاربة الصيغة ورب المال والمضارب ورأس المال والربح لهما

وللمضاربة شروط وملاحظات كثيرة غير الشروط العامة للعقود مثل الإيجاب والقبول وغيرهما، ويمكن تقسيم هذه الملاحظات إلى ثلاثة أقسام، الأول: ملاحظات متعلقة برأس المال، وهي أن يكون رأس المال نقودا، وقد أجاز بعض الفقهاء أن يكون سلعا أو عقارا، وأن يكون رأس المال معلوم القدر والجنس، وأن لا يكون دينا في ذمة المضارب، وأن يسلم البنك الإسلامي رأس المال إلى المضارب ويتمكنه ماديا وقانونيا للتصرف فيه حتى يستطيعه من استثماره وتصرفه وفقا للعقد.

والثاني: الملاحظات المتعلقة بالربح، وهي أن يكون نصيب ربحهما معلوما عند العقد، وأن يكون الربح جزءا شائعا لا معينا، وأن يكون نصيبهما حصة في الربح لا من رأس المال، وأن لا يزيد هذا الربح أي منفعة إضافية، والخسارة التي تكون فيها يتحملها رب المال دون المضارب إلا إذا كان المضارب سببا للتلف أو الخسارة.

والثالث: الملاحظات المتعلقة بالعمل، والعمل في المضاربة مخصوص للمضارب دون رب المال، ويجوز لصاحب المال أن يشترط على المضارب بأن يمارس العمل في بلد معين أو في نوع معين، فيجب على المضارب أن يعمل بما اشترط رب المال، وهذا ما يعرّف بالمضاربة المقيدة، ويجوز أن يعمل فيما أراده المضارب إذا كانت المضاربة بلا قيد أي مطلقا، وتجوز المضاربة بين المسلم والكافر، ولكن اشترط الفقهاء في حالة المضارب الغير المسلم أن لا ينفرد وحده بالتصرف، فينبغي أن تكون المضاربة المقيدة، لأن انفراد المضارب الغير المسلم بالتصرف قد يؤدي إلى القيام بأعمال لا توافق مع قواعد شرعية، ويجوز لصاحب المال أن يفسخ عقد المضاربة متى شاء مالم يبدأ المضارب في العمل، أما إذا بدأ العمل فاختلف الفقهاء في حكمه، فالمالكية يرون أنه ليس لصاحب المال حق في فسخ العقد بعد شروع المضارب في العمل، حين أن الشافعية والحنفية والحنابلة يرون جواز فسخ العقد قبل شروع المضارب في العمل أو بعده لصاحب المال، وأما بالنسبة للبنك الإسلامي فإنه ليس له حق في فسخ العقد إلا إذا كان هناك مشروع أولى منه، وهذا إذا لم يكن المضارب قد شرع في العمل.

وللمضاربة أنواع عديدة بجهات مختلفة، فالأول حسب حرية المضارب في التصرف وهو نوعان كما مرذكرهما: المضاربة المقيدة والمضاربة المطلقة.

والثاني حسب كيفية انتهاء عقد المضاربة وهو نوعان، والأول: المضاربة المنتهية بالتمليك، يعطي فيها رب المال الحق للمستثمر بحلول مكانه في ملكية المشروع مرة واحدة أوعلى دفعات، والثاني: المضاربة الغير المنتهية بالتمليك، وهي الوضع العادي حيث يعود رأس المال إلى المالك بعد انتهاء فترة الاستثمار وتوزيع الأرباح بين الأطراف المشاركة في المضاربة.

والثالث حسب عدد المشاركين، والأول: المضاربة الثنائية أو المفردة، إذا كان رب المال والمضارب شخصا واحدا والثاني: المضاربة الجماعية أو المشتركة، هي الصيغة التعاقدية الرائجة في البنوك الإسلامية، وأسلوبها أن يودّع صاحب الأموال أمواله إلى البنك الإسلامي ويتعرض البنك إلى صاحب الأعمال، وفي هذه المضاربة تكون ثلاثة أطراف، والطرف الأول هو صاحب المال والثاني البنك الإسلامي والثالث المضارب.

فالبنك الإسلامي تتعامل فيها المضاربة بأسلوبين، والأول على أسلوب المضاربة المفردة، وصورتها يتقدم صاحب الأموال مودّعا أمواله إلى البنك الإسلامي ويكون أرباب الأموال في هذه المضاربة والبنك الإسلامي يتخذها ويكون مضاربا، والثاني يجري على أسلوب المضاربة الجماعية، وصورتها يتقدم أرباب الأموال مودعين أموالهم إلى البنك الإسلامي وهم أرباب الأموال ويكون البنك الإسلامي مضاربا حقيقة، لكن يعطي البنك الأموال للعاملين لأن يتجر فيها، وهو جائز لأن المضاربة إذا كانت مطلقة يجوز له التصرف فيما يشاء وإن كانت مقيدة يدرج البنك هذا القيد في القيود.

الإجارة:

الإجارة هي عقد يتم بموجبه تمليك منفعة معلومة لأصل أي عين معلوم من قبل مالكها لطرف آخر مقابل عوض أي ثمن معلوم لمدة معلومة، وقد عرّفها القانون الأردني «بأنها تمليك المؤجر للمستؤجر منفعة مقصودة من الشئ المؤجر لمدة معلومة مقابل عوض معلوم».

والإجارة مشروعية بالقرآن والحديث والإجماع، والمقصود هنا ليس عن الإجارة بمفهومها التقليدي بل الصورة الحديثة للإجارة التي يجري بها العمل في البنوك الإسلامية المعاصرة، وهي صورة مختلفة من صورتها الأصلية، وهي تقوم باستخدام الإجارة على المنافع كأسلوب من أساليب استثماراتها.

وينغي ملاحظة كبيرة في أحكامها، ومنها أن يكون الأصل أي عين الإجارة مملوكا للمؤجر أي للبنك الإسلامي، ولا تجوز الإجارة في عين ليس للبنك ملكيتها، ويجوز للمستؤجر أن يؤجر العين لأي شخص آخر-يسمى التأجير الباطن- مالم يشترط عليه البنك الامتناع عن الإيجار للغير، أو يشترط عليه الحصول على موافقة منه، ويجب تحديد مدة الإجارة ويكون ابتدائها من تاريخ العقد ما لم يتفق طرفان على أجل معلوم لابتداء مدة الإجارة.

ويشترط في عين الإجارة أن يمكن الانتفاع بها مع بقاء العين، فلا تصح الإجارة بالشمع والنقد لأن المنفعة تقوم على إنفاقهما، وأن تكون مباحا شرعا، ولا يجوز للبنك أن يشترط برائته من عيوب العين المؤجرة أو أن يشترط عدم مسؤوليته عما يطرأ على العين من خلل تؤثر في المنفعة المقصودة من الإجارة، لأن الصيانة الأساسية تلزم على المؤجر والصيانة الدورية تلزم على المستؤجر، ويكون العين المؤجرة على ضمان المالك طول مدة الإجارة مالم يقع من المستؤجر تقصير، وإذا استأجر دارا فخراج الدار يلزم على المالك دون المستؤجر.

ويلزم في الأجرة أن تكون معلومة، ويجوز أن يكون نقدا أو عينا أو منفعة، ويجوز أن تكون الأجرة بمبلغ ثابت أو متغير بطريق معلومة للطرفين، ولا يجوز اشتراط زيادة على الأجرة يستحقها المالك أي البنك الإسلامي في حال التأخر في السداد، ويجوز أن ينص على التزام المستؤجر المماطل بالتصرّف بمبلغ محدد أو نسبة من الأجرة في تأخر السداد.

والإجارة تنتهي بفسخها بالتراضي بين العاقدين وتنتهي بنفسها إذا توقف المستأجر عن سداد الأجرة أو تأخر عن وقت معين متفق بينهما، وإذا هلكت العين حتى فقدت منفعته الكلية فتنتهي الإجارة لنفسها ولا تنتهي بوفاة أحد المتعاقدين بل تتعلق بالوارثين.

و الإجارة التي تجري رائجة في البنوك الإسلامية نوعان، الأول: الإجارة التشغيلية، وهي التأجير الذي يقوم على تمليك المستأجر منفعة أصل معين خلال فترة زمنية محددا على أن يتم إعادة الأصل لمالكها المؤجر وهو البنك الإسلامي عند نهاية مدة الإيجار ليتمكن البنك الإسلامي من تأجيره إلى طرف آخر وتجديد العقد مع نفس المستؤجر إذا وافق الطرفان على ذلك.

وكثيراما يكون هذا النوع قصير الأجل بالنسبة إلى النوع الثاني من الإجارة، ويتحمل خلاله المالك مصاريف الصيانة والتأمين والضرائب المتعلقة بالأصل أي عين الإجارة في حين يتحمل المستأجر المصاريف التشغيلية الخاصة بهذا الأصل مثل مصاريف القهرباء والماء، إضافة إلى دفعه لأقساط استغلال الأصل.

ويكون فى هذا النوع من التأجير غالبا امتلاك البنوك الأصول لأسباب خاصّة، أحدها قد يكون نتيجة لطلب السوق عليها بشكل عام وليس بناءا على طلب المستأجر، أي أنّ البنك لا يشتري هذه الأصول من أجل تأجيرها لشخص معيّن.

ويتميّز هذا الأسلوب ببقاء الأعيان تحت ملكيّة المصرف الإسلامي الذى يقوم بتعرّضها للإيجار مرّة تلو أخرى حتّى لا تبقى بدون استعمال إلّا الفترات القصيرة وهو يتحمّل فى ذلك مخاطرة ركود السوق وانخفاض الطلب على تلك الأعيان ممّا يؤدّي إلى خطر عدم استغلائها

و تقسّم هذه الإجارة إلى قسمين، والأوّل: إجارة معيّنة، وهي الإجارة التى يكون محلّها عقارا أو عينا معيّنة بالإشارة إليها أو نحو ذلك ممّا يميّزها عن غيرها، والثانى: إجارة موصوفة بالذمّة، وهي الإجارة الواردة على منفعة موصوفة يتفق عليها مع التزامها فى الذمّة، كسيّارة أو سفينة غير معيّنة لكنّها موصوفة وصفا دقيقا يمنع التنازع

والثانى من أنواع الإجارة، الإجارة المنتهية بالتمليك، وهذا النوع أكثر استعمالا من أنواع الإجارة فى البنوك الإسلامية.

وهذه الصيغة يتملّك منفعة العين المؤجرة إلى المستؤجر خلال مدّة محدودة مع وعد المالك أي البنك الإسلامي بتمليك ذلك الأصل أي العين المؤجّر للمستأجر فى نهاية مدّة الإجارة أو في أثنائها، وذلك بسعر السوق يتفقان عليه معا أو بدون مقابل.

والمستؤجر يستوفى ثمن العين المؤجرة إلى البنك الإسلامي من خلال أقساط الإيجار خلال فترة التأجير، فلذا كانت أقساط الإيجار فى هذا النوع تكون أعلى منه فى التأجير التشغيلي كما تكون مدّة التأجير هنا طويلا نسبيّا، يتحمّل من خلالها المستؤجر التكاليف التشغيلية إضافة إلى الرأسمالية، أمّا إذا كانت التكاليف الرؤسمالية ضرورية و يحصل بها المستؤجر على منفعة الأصل يتحملها المؤجر، مثل انهيار جزء من المبنى المؤجر فيكون بنائه على المؤجر.

ولمّا انتهينا من تبيين أربع اصطلاحات البنوك الإسلامية على مقالتين نجد أنّ قواعدها تارة توافق قواعد الشرع وتارة تخالفها، والوعد والإلزامية ليس مشقّة للمرابحة فقط، بل تجري مشقتها على غالب قواعد البنوك الإسلاميّة، ولكن الحيلة ترد في المرابحة دون غيرها من الإصطلاحات.

المراجع :

  1. فتح المعين بشرح قرّة العين بمهمّات الدين.
  2. ترشيح المستفيدين.
  3. صيغ التمويل فى المصارف الإسلامية..

4. المضاربة فى المصارف الإسلامية – دار الإفتاء الفلسطينين.

Comments

مقالات مشابهة