نبضة النهضة

مجلة النهضة تفتخر بعيدها النحاسي: سنوات باتت تسهر في مرابطة روح الأدب العربي

كانت سنة 2006 معلما تاريخيا في سماء الصحافة العربية بولاية كيرالا، حيث انطلقت مجلة النهضة بقوتها وحماسها في إشعال روح اللغة العربية وإقامة راياتها خفاقة في كل واد، وقد تمت بحمد الله وتشريف منه عشر سنوات سجلت نقطة تاريخية في صفحات لغة الضاد، ولا بد من تلقيها وتكريمها بالدفوف والطبول، لأنها تمثلت همة لفيف من […]

المزيد‎


المخطوطات العربية في كيرالا وأهميتها التاريخية


بقلم: د/ أن. أ. محمد عبد القادر

كيرالا واللغة العربية

علاقة أهل كيرالا مع العرب واللغة العربية عريقة تمتد جذورها إلى آلاف من السنين على أرجح الأقوال. وقد كان التجار العرب يفدون إلى سواحل كيرالا (مليبار حسب التعبير القديم) ويبتاعون التوابل والأمتعة الأخرى ويصدرونها إلى بلدان مختلفة. وكان من أهل كيرالا من يجيد اللغة العربية ويعمل كترجمان بين التجار العرب وبين أهل كيرالا. ولما تشرفت هذه المنطقة بوصول الدعوة الإسلامية في وقت مبكر توطدت هذه العلاقة، وازداد شغف أهل كيرالا باللغة العربية حيث انضم الدافع الديني إلى الدوافع الأخرى.

فكان كل مسلم ومسلمة في هذه المنطقة يقبل على دراسة اللغة العربية قراءة وكتابة حيث يحتاج إليها لقراءة القرآن الكريم ولأداء الصلوات وغيرها من العبادات. وكانت حلقات الدروس في المساجد هي المناهل التي يتروى منها المتعطشون إلى التعمق في الدراسات الإسلامية وفي إتقان اللغة العربية. فكان من بين المدرسين في المساجد علماء أجلاء وفدوا من البلدان العربية، كما كان من أهل كيرالا من ارتحل إلى الحجاز ومصر وغيرهما من البلدان العربية للدراسات الإسلامية العليا. وكان لهذه التبادلات العلمية أثرها في ترويج اللغة العربية بين أهالي كيرالا.

 

الأدب العربي في كيرالا

وانطلاقا من البواعث المذكورة للاهتمام باللغة العربية اعتنى علماء مليبار بتأليف النصوص النثرية والشعرية في اللغة العربية. وتأليفات علماء كيرالا في اللغة العربية يتجاوز عددها ألفا على أرجح الاحتمالات غير أن معظمها مغمورة في دياجير الخمول أو الإهمال، وأن حصة كبيرة منها قد تعرضت للتلف والضياع. يقول الأستاذ عبد الغفور عبد الله القاسمي في مقدمة كتابه ‘المسلمون في كيرالا’: “إن تاريخ مسلمي كيرالا في غياهب مظلمة لعدة قرون، لأن الإسلام دخل فيها في القرن الأول الهجري أو الثاني على اختلاف الأقوال. وعلى الرغم منه كانت القرون التي بعده فترة ازدهار للإسلام فيها، ولكننا لا نسمع عن تلك القرون وعن الوقائع التي جرت فيها وعن علمائها وتصانيفهم وأنظمة تعليمهم وتدريسهم بطريق موثوق به إلا قليلا جدا –خصوصا من القرن الثاني إلى الثامن- ولا شك أن معظمها ذهبت أدراج الرياح لعدم الاحتفاظ فضاع تراثهم النفيس”[1].

وقد أورد الأستاذ عبد الغفور القاسمي في الكتاب المذكور قائمة لتأليفات علماء مليبار في اللغة العربية جمع فيها ما يزيد عن خمسمائة كتاب نظما ونثرا، واعتمد فيها على ما أفاده به المؤرخ الشهير الأستاذ محمد علي المسليار النليكتي رحمه الله. وقد صرح المؤلف أنه لم يوفق للعثور على أي واحد من المصنفات من القرن الأول الهجري إلى القرن الثامن. وأول كتاب من حيث الترتيب الزمني من بين الكتب الموجودة في هذه القائمة هو كتاب ‘عمدة الأصحاب’ للقاضي رمضان الشالياتي المتوفى سنة 805 هــ. وجدير بالذكر أن هناك سلالات اشتهرت بمساهمتها في مجال التأليفات العربية في كيرالا مثل المخدوميين والسادة البخاريين وقضاة كاليكوت وغيرهم.

 

لغة ‘عربي – مليالم’

وحينما نتحدث عن التأليفات العربية لعلماء كيرالا لا بد أن نشير إلى لغة ‘عربي – مليالم’ –إن صحت التسمية- التي هي لغة مزدوجة استعارت كثيرا من مفرداتها من العربية والأردوية والفارسية والتاملية وغيرها، غير أن معظمها مفردات مليالمية، وأسلوبها أيضا أسلوب لغة مليالم بتعديلات طفيفة، وأما خطها فهو خط اللغة العربية باستعارة بعض الحروف من الأردوية وتشكيل بعض الحروف والأشكال الجديدة لتلائم ما في مقابلها من الحروف والأصوات في اللغة المليبارية. وكانت هذه اللغة المزدوجة هي لغة التعبير الأدبي بالنسبة إلى مسلمي كيرالا حيث كان كل واحد منهم يعرفها قراءة وكتابة، وكانوا يبدعون فيها ويؤلفون نصوصا رائعة نثرا ونظما، وهناك آلاف من التأليفات في لغة ‘عربي – مليالم’، منها ما طبع على مطبعة ليتو القديمة، ومنها ما هو مخطوط. والحق يقال، إن هذه الصورة اللغوية هي التي صانت اللغة المليبارية ( مليالم ) من تغلب السانسكريتية عليها.

ويمتد تاريخ ‘عربي – مليالم’ إلى القرون الهجرية الأولى. وأما الآثار الأدبية التي وصلت إلينا منها، فأقدمها هو منظومة محيي الدين (  Muhyiddeen Mala )، التي نظمها القاضي محمد الكاليكوتي في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني. وقد اعترف الجميع بقيمتها الأدبية وجمالها الفني، رغم أن الفئات الإيديولوجية المختلفة في المجتمع الإسلامي تفرقت إلى مؤيد ومخالف في تقييمها من منظور إسلامي. ويلاحظ أنه قرض هذه المنظومة قبل أن يؤلف “تونجات إيزوتاتشن” ( Thuncath Ezhuthachan ) الذي يلقب بأب اللغة المليالمية عمله الشهير المسمى ب”آدهياتما رامايانام”.

كما يلاحظ أنه ظهرت الرواية الأولى في ‘عربي – مليالم’ قبل أن يظهر نظيرها في لغة مليالم، وأنه لم يكن الآثار الأدبية في العربية المليبارية مختصة بالمواد الإسلامية، بل كان منها ما هو أدبي خالص، مثل رواية “بدر المنير وحسن الجمال” لمويين كوتي وايديار. وأما مجموع عدد المؤلفات في العربية المليبارية فيتجاوز الألفين. ويدل الوثائق التاريخية على أن شعبية الملاحم في ‘عربي – مليالم’ أدت إلى أن تفرض الحكومة البريطانية الحظر عليها خوفا من أن تؤثر في إشعال الحروب الاستقلالية.

المخطوطات العربية في كيرالا وأهميتها التاريخية

مما ينبغي أن يسترعي انتباهنا أن كل مخطوط – مهما اختلف حجمه وتنوع مضمونه – له أهميته الخاصة. فعلى سبيل المثال، هناك نقوش حجرية في مقبرة أثرية في مادايي في محافظة كنور من ولاية كيرالا، قد نقش عليها “سنة خمس” بالحروف التي لا إعجام فيها ولا شكل. ولهذا يعتبر شاهدا على أن الإسلام قد انتشر في ربوع مليبار قبل تطوير الخط العربي بالنقاط والأشكال في أيام الحجاج.

وهناك مخطوط آخر يسلط الضوء على تاريخ الثقافة الإسلامية ونظام التعليم الديني في هذه المنطقة، إنما هو فقرة صغيرة مكتوبة على نسخة خطية لكتاب التنبيه في الفقه الشافعي، توجد في المكتبة العربية الأثرية بتانور. فقد كتب في أول أوراقها باللغة الفارسية وبعده ترجمتها في العربية هكذا: وكتبه الفقير محمد بن عبد الله الحضرمي الشافعي مذهبا والقادري مشربا والأزهري تعلما وسندا، ووقفه لله في مسجد البركة الكبرى الساحلي بتانور حين كان مدرسا ومفتيا فيه سنة 675هـ[2]. ولا شك أن هذه الكلمات القليلة وثيقة تاريخية هامة بالنسبة لتاريخ الثقافة الإسلامية في مليبار حيث تدل على أن حلقات الدروس في المساجد كانت هي الطريقة السائدة للتعليم الديني في تلك الأيام، كما تسلط الضوء على التبادلات العلمية بين مليبار والبلدان العربية.

كما ينبغي أن يكون في العناية أن الأدب العربي في كيرالا لم يكن أدبا تمحور حول البلاط، كما هو الحال في كثير من المناطق التي ساد فيها سلطنة المسلمين من حين إلى آخر. بل كان الأدب العربي الكيرالي تصويرا صادقا للأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في تلك الأيام. ونسبة كبيرة منه تندرج تحت أدب المقاومة، حيث كان باعثها مقاومة الاستعمار وتحرير البلاد من احتلال الأجانب. فقصيدة ‘تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان’ التي نظمها الشيخ زين الدين المخدوم الأول ( ت928 هـ ) تمثل فكرة المقاومة التي كان يحمل مشعلها العلماء الأجلاء إبان الاحتلال البرتغالي.

وأما كتاب ‘تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين’ الذي ألفه حفيده الشيخ زين الدين الثاني، فتعتبر من أسبق المصادر وأوثقها في تاريخ كيرالا، وفي تاريخ مقاومة شعبها ضد الاحتلال البرتغالي. والقاضي محمد الكاليكوتي هو الآخر ممن وصف لنا تلك المعارك الدامية التي استمرت بين الشعب المحلي وبين المستعمرين البرتغاليين في القرن السادس عشر الميلادي، عن طريق ملحمته الرائعة المسماة بالفتح المبين، وعن طريق ‘الخطبة الجهادية’ اللتي نحن بصدد النقاش عنها.

والسيد علوي مولى الدويلة المنبرمي الذي يعتقد أنه صاحب مجموعة الفتاوى بعنوان “السيف البتار على من يوالي الكفار”، كان أيضا علما من أعلام المقاومة. وقد جاهد بقلمه وسيفه ضد الاستعمار البريطاني. وأما نجله السيد فضل بن علوي مولى الدويلة، فاقتفى آثار والده، وألف مجموعة الفتاوى باسم “عدة الأمراء والحكام لإهانة الكفرة وعبدة الأصنام”. ورغم أن البريطانيين أوجسوا خيفة من اغتياله نجحوا في الاحتيال لإجلائه إلى البلاد العربية[3].

مكتبات تضم مخطوطات نادرة

هناك مكتبات عربية أثرية منتثرة هنا وهناك في أرجاء كيرالا تضم مخطوطات نادرة في اللغة العربية وفي لغة ‘عربي – مليالم’. ومن تلك المخطوطات ما لم يسبق نشره، ومنها ما هو نسخة مكتوبة لكتاب مطبوع.

 ومن أهم تلك المكتبات:

  • مكتبات المساجد العريقة

كانت مساجد كاليكوت وشاليم وتانور وبلنكوت وغيرها من المساجد القديمة التي كانت تجري فيها حلقات الدروس تمتلك مكتبات أثرية تحتوي على مخطوطات قيمة، وإن أهمل القائمون على شؤون بعضها وضيعوها عند الترميم والتجديد مع الأسف الشديد.

ومن أهم هذه المكتبات المكتبة العريقة الزاخرة بالمخطوطات القيمة في مسجد البركة الكبرى بتانور. ومن مخطوطاتها الباقية الناجية عن العبث والفساد كتاب ‘الروضة’ للشيخ الإمام النووي رحمه الله، وكتاب ‘الإمداد’ لشيخ الإسلام ابن حجر المكي رحمه الله وغيرهما من الكتب القيمة. وكتاب الروضة المطبوع حديثا في بيروت في اثني عشر مجلدا بإشراف الأستاذ زهير الشاويش يظهر فيه اختلاف في بعض المواضع بينه وبين النسخة المذكورة للروضة الموجودة في هذه المكتبة.

وجدير بالذكر أن رسم خط كتاب الروضة المذكور آية في فن الكتابة العربية يندهش الناظر لغرابة أشكال حروفه وتنظيمها المرتب على وتيرة واحدة، وهو في أربع مجلدات ضخام في ورق متين مزركش مذهب بين السطور والجوانب، وفي آخره كتب ناسخه بخط فارسي اسمه وسنة نسخه، ولكن بسبب طمسه وحزم الجوانب الأكثر لا يقرأ، ويظهر منه أن الكاتب يمنيّ النشء كتبه في عام 884 ه.

ومن ضمن المخطوطات الموجودة في هذه المكتبة كتاب غريب في الرسم والمحتويات يعتبر أعجوبة من الآثار الإسلامية الخالدة، وهو في حوالي مائتي صفحة من كبار الأوراق، كل صفحة في أربعة أعمدة، وكل عمود يقرأ فنا مستقلا حيث يحتوي عمود منها على النحو والصرف، وآخر على العروض والقوافي، وثالث على البلاغة، ورابع على التاريخ. وفي الوقت نفسه يقرأ أفقيا على مجموع الأعمدة الأربعة فيصير فنا خامسا، وهو في الفقه الشافعي يبدأ فيه بباب الطهارة ويجري على ترتيب كتب الفقه الشافعي. وهذا الكتاب يعرف باسم ‘الجواهر الخمس’ لضمه خمسة أنواع من علوم مهمة مختلفة.

وكتب مؤلفه علاء بن حسن اليمني في الديباجة بخط فارسي: أمر بتأليف هذا الكتاب وجمعه مولانا السلطان الملك الأشرف إسماعيل بن العباس أدام الله أيامه”، ألّفه في مدينة تعز باليمن في عام 804 هـ. ومن ضمن الكتاب عمود خاص بتاريخ ملوك الشام واليمن من بني الرسول[4]. وفي آخر الكتاب قصيدة غريبة في مدح السلطان الملك الأشرف إسماعيل بن العباس بن علي بن داود بن يوسف الغساني ملك اليمن في عشرين بيتا، تقرأ هذه القصيدة على عدة أوجه طولا وعرضا وعلى أشكال الشطرنج وغيرها. وناظمها الإمام إسماعيل بن أبي بكر المقري الشاوري اليمني الشافعي الأشعري يقول: تقرأ على ألف وجه. وقد شرح هذه الأبيات الفقيه مؤيد الدين أبو الحسن علي بن الحسن شرحا مفيدا وضح فيه الأوجه المذكورة[5].

  • مكتبات شخصية

هناك مكتبات أثرية تحت رعاية عائلات عريقة مشهورة في مجال العلوم الإسلامية والعربية، من بينها:

  • مكتبة السيد فضل بوكويا

هذه المكتبة التي ورثها السيد فضل بوكويا الكاليكوتي رحمه الله عن آبائه وأجداده تحتوي على مخطوطات قيمة من بينها ‘كنز البراهين’ وغيرها من مؤلفات الشيخ جفري رحمه الله ومخطوطات أخرى لبعض من قضاة كاليكوت. وقد نقل جزء كبير منها إلى جامعة مركز الثقافة السنية.

  • مكتبة السيد شهاب الدين إمبجي كويا الكاليكوتي رحمه الله

هذا الشيخ قد تقلد منصب القاضي الشرعي لمنطقة كاليكوت لمدة تتجاوز خمسين سنة. ومكتبته زاخرة بمخطوطات نادرة بما فيها مخطوطات أسلافه العظام من قضاة كاليكوت.

        ج) مكتبة الشيخ أحمد كويا الشالياتي رحمه الله (1884-1954م)

كان الشيخ شهاب الدين أحمد كويا الشالياتي رحمه الله مفتيا رسميا لدى الملك نظام بحيدراباد، وكان يفتي على المذاهب الأربعة، وله تأليفات عديدة في اللغة العربية، بما فيها الكتب المطبوعة والمخطوطة. ومكتبته المعروفة باسم “دار الكتب الأزهرية” تشتمل على مئات من المخطوطات القيمة في فنون مختلفة.

        د) مكتبة الشيخ أحمد كوتي المسليار الملّوي

كان الشيخ أحمد كوتي المسليار الملّوي (1887 – 1946م) عالما كبيرا اشتهر بمساهمته في مجالات التدريس والتنسيق والتأليف، له عدد من التأليفات في اللغة العربية، ومكتبته الشخصية تضم مئات من المخطوطات النادرة في اللغة العربية وفي ‘عربي – مليالم’، بما فيها نسخة مخطوطة لكل من “تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين” و”تحريض أهل الإيمان على جهاد عبدة الصلبان” و”الخطبة الجهادية”.

        ه) مكتبة الشيخ عبد الباري المسليار الوالكّلمي (1298 – 1385 ه)

الشيخ عبد الباري المسليار صاحب خدمات مشكورة في مجالات متنوعة، كان مدرّسا في جامع والكّلم أربعين سنة، وهو صاحب تأليفات قيمة في العربية بما فيها ‘صحاح الشيخين’ و‘جمع الباري’ وغيرهما. ومكتبته الموجودة في مسجد الباري الذي دفن بجواره تضم مخطوطات عديدة وكتبا كثيرة أخرى.

        و) مكتبة الأستاذ عبد الرحمن منغاد

الأستاذ عبد الرحمن منغاد باحث نشيط يهتم بدراسات جادة عن تراث مسلمي كيرالا في مجالات متنوعة كما يهتم بجمع المصادر والمراجع والوثائق التي تسلط الضوء على هذا التراث الغني الزاخر. وقد أدى هذا الطموح والتضحية إلى أن يبني في بيته مكتبة قيمة تحتوي على مخطوطات ووثائق نادرة.

  • مكتبات المعاهد والمؤسسات الإسلامية

والمكتبات الموجودة في جامعات ومعاهد إسلامية تشتمل على مخطوطات متنوعة. ومن بين هذه المؤسسات والمعاهد كلية دار العلوم بوازكّاد، وكلية مدينة العلوم ببولكّل، وجامعة مركز الثقافة السنية، والجامعة النورية العربية، وهيئة تعليم الدين الإسلامي لعموم كيرالا، وجامعة معدن الثقافة الإسلامية، وغيرها.

الخطبة الجهادية للقاضي محمد الكاليكوتي رحمه الله

هي خطبة أنشأها القاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي رحمه الله، وأرسلها إلى قلعة شاليات (جاليم) والمساجد المجاورة لها إبان الحرب التي شنها المسلمون وجنود النيار تحت قيادة الملك السامري (ساموتري) لفتح قلعة شاليات التي بناها المستعمرون البرتغاليون في موقع استراتيجي على ضفة نهر بيبور على بعد عشر كيلومترات من مدينة كاليكوت، متوسلين بالمكر والحيلة والدهاء للحصول على الموافقة من السامري ملك كاليكوت.

وهذا النص العربي القيم تم اكتشافه أثناء الاستعراض الذي جرى في بعض المكتبات العربية العريقة في مليبار تحت إشراف هذا الباحث، كجزء من الورشة الوطنية حول المخطوطات العربية والأردوية والفارسية، التي تم تنسيقها في قسم العربية بجامعة كاليكوت عام 2012، تحت رعاية الهيئة الوطنية لرعاية المخطوطات. وقد وجدنا هذه النسخة في مجلد كبير يشتمل على عدد من الآثار الأدبية المخطوطة، في بيت المرحوم أحمد بن نور الدين الملّوي رحمه الله، في حوزة الشيخ عبد الرحمن القاسمي نجل أخيه. وقد تم تحقيق هذا المخطوط ونشره في كتاب “الإيديولوجيا والنضال” عن قسم العربية لجامعة كاليكوت. وقد قام هذا الباحث بترجمته إلى الإنجليزية، ونشرت في كتاب Ideology and Struggles: A study of Malabar Muslims*

عرض النص

يستهل هذه الخطبة بالبسملة والحمدلة فيقول: الحمد لله قاصم الجبابرة فلم يفلت أحد من حكمه، ومدبر الكائنات فلم يعزب شيء في الأرض ولا في السماء عن علمه، ومقدر الأشياء بمقتضى إرادته فليس فيما قضاه نقض، وبارئ البريات فاختص منهم من شاء ودفع بعضهم ببعض، فقال: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض

وبعد أن حمد الله بما شاء أن يحمده به، خصوصا بما أعده الله للمجاهدين من الأجر الكبير، تشهد وصلى على النبي وآله وأصحابه وأزواجه، ثم دخل في صميم الموضوع يخاطب الناس قائلا: أيها الناس، من أراد الجهاد فهذا أوانه، ومن ابتغى السعادة العظمى فهذا إبانه. ثم شرع في بيان الاعتداءات البرتغالية الغاشمة قائلا: فإن النصارى عبدة الأصنام والأوثان، قد دخلوا في إقليم المليبار في كل بلدان، وأكثروا فيه الصولة والفساد، وأظهروا أنواع التعدي والعناد، وهدموا مباني الإسلام، ومحوا شعائر الأحكام، وتسلطوا على المسلمين تسلط المالك على المملوك، وأذل(أذلوا) الجبابرة من السلاطين والملوك، وملكوا بسطوة بلادهم، وملأوا من خيفة أكبادهم، حتى أزالوا رسمهم واسمهم، وأخرجوا دموعهم ودمهم، وتحصنوا بالقلعة والمدافع، وليس لقلعها حيلة ولا مدافع، قد أيتموا

 

*Prof. (Dr.) N.A.M. Abdul Kader (Ed.)., Ideology and struggles (A Study of Kerala Muslims), Dept. of Arabic, University of Calicut; Sponsored by National Mission for Manuscripts, 2012.    

 

بقتلهم الولدان، وأرملوا الإماء والنسوان، وخربوا أكناف البلاد، وأبطلوا معائش العباد، وعطلوا المسافرة والتجارة، وعوضوا لربحها الخسارة، كم من مسلم في حبسه مقيدون، وأي محنة بها يعذبون،

كم من مراكب بنار أحرقوه، كم من سفائن ببحر أغرقوه، كم من مسلم قد دخلوا في دينهم قهرا، ومنعوا طرق المسلمين برا وبحرا، أحرقوا المصحف والمساجد، وعمروا في أماكنها الكنائس والمعابد، ونبشوا بظلمهم قبورا، وشيدوا بحجرها قصورا، وهتكوا بين المحارم حرمة النسوان، وعذبوا المسلمين بعذاب أهل النيران، وجعلوا المؤمنين ذبيحتهم، وأموالهم غنيمتهم، قد نزع الله من قلوبهم الرحمة، كأنهم لم يخلقوا إلا من النقمة.

وبعد ما صور تلك المظالم الوحشية طرح إلى السامعين أسئلة توقظ هممهم وتثير عواطفهم، قائلا: عباد الله، أنتم أيقاظ أم نيام، أم أنتم في شغل عن هذا الكلام، أما ترون الأعمار تنصرم عاما بعد عام، وليس بينكم وبين الموت إلا أيام.

ثم يبسط في بيان فضيلة الجهاد مستدلا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومقتبسا منها، ويأمرهم بأن يشمروا للجهاد، ويقول: فشمروا للجهاد ما استطعتم أيها المؤمنون ولا تفشلوا، ولا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فقال تعالى ردا عليهم لئلا يقعدوا في مواضعهم، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، فلا تهنوا ولا تحزنوا يا معشر المجاهدين، فإنكم أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين …

ثم يرجع إلى بيان فضائل الجهاد، ومن ثم ينتقل إلى بيان فضيلة الغزو في البحر، ويقول: وأحثكم على الغزو في البحر، فإن غزوة في البحر أفضل من عشر غزوات في البر، وكفى لغزوة البحر شرفا بقول سيد البشر، من فاته الغزو معي فليغز في البحر، ومن أجاز البحر فكأنما أجاز الأودية بقدمه، والمائد في البحر كالمتشحط في البر في دمه، وإن ملك الموت يقبض روح كل شريد وغيره إلا أرواح شهيد البحر، فإن الله يتولى قبض أرواحهم لكرامتهم عنده على شهيد البر …

 

ثم يحثهم على الإنفاق، وأخيرا يحثهم على الرباط، فإنهم كانوا في أمس الحاجة إليه لحصار القلعة حتى يتم الفتح. ثم يعود فيأمرهم بالثبات عند تزلزل الأقدام. وأخيرا يختتم الخطبة داعيا: جعلنا الله وإياكم ممن أحيا دينه بأيديهم، وينزل نصرته على نواصيهم، ولا جعلنا وإياكم ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم[6].

ومن الطريف أن بعض أجزاء هذه الخطبة قد استخدمها بعينها في قصيدته المسماة بالفتح المبين، حينما استخدم بعضا آخر بتعديلات طفيفة. وهذا يدل على براعة المؤلف في النثر والشعر في آن واحد. نقرأ أولا هذه الفقرة من الخطبة الجهادية، يصور فيها اعتداءات البرتغاليين بأسلوب مثير، ويقول:

“أكثروا فيه الصولة والفساد، وأظهروا أنواع التعدي والعناد، وهدموا مباني الإسلام، ومحوا شعائر الأحكام، وتسلطوا على المسلمين تسلط المالك على المملوك، وأذل(أذلوا) الجبابرة من السلاطين والملوك، وملكوا بسطوة بلادهم، وملأوا من خيفة أكبادهم، حتى أزالوا رسمهم واسمهم، وأخرجوا دموعهم ودمهم، وتحصنوا بالقلعة والمدافع، وليس لقلعها حيلة ولا مدافع، قد أيتموا بقتلهم الولدان، وأرملوا الإماء والنسوان، وخربوا أكناف البلاد، وأبطلوا معائش العباد، وعطلوا المسافرة والتجارة، وعوضوا لربحها الخسارة، كم من مسلم في حبسه مقيدون، وأي محنة بها يعذبون، كم من مراكب بنار أحرقوه، كم من سفائن ببحر أغرقوه، كم من مسلم قد دخلوا في دينهم قهرا، ومنعوا طرق المسلمين برا وبحرا، أحرقوا المصحف والمساجد، وعمروا في أماكنها الكنائس والمعابد، ونبشوا بظلمهم قبورا، وشيدوا بحجرها قصورا، وهتكوا بين المحارم حرمة النسوان”.

ولنقرأ الآن الأبيات التالية من قصيدة الفتح المبين:

فأكثروا الصولة والعنادا   وأظهروا الطغيان والفسادا
وهدموا مباني الإسلام   كذا محوا شعائر الأحكام
 
ثم تسلطوا على الملوك   تسلط المالك في المملوك
 
وملكوا بسطوة بلادهم   وملأوا من خيفة أكبادهم
حتى أزالوا رسمهم واسمهم

  وأخرجوا دموعهم ودمهم

وخربوا أجلة البلاد

  وعطلوا معائش العباد

كم مسلم في حبسه مقيدون   وأي محنة بها يعذبون
كم أيتموا بقتلهم ولدانا

  كم أرملوا الإماء والنسوانا

كم من مراكب بنار أحرقوا

  كم من سفائن ببحر أغرقوا

كم صيروا من مسلم نصارى

  حتى من السادات كالأسارى

 

ومنعوا للمسلمين الطرقا   برا وبحرا لم يزالوا فرقا
فصار يمشي الناس فوق الجبل   لكن يمرون بها بالوجل
وأحرقوا المصحف والمساجدا   ثم بنوا لهم بها المعابدا
ويضرب المسلم بالنعال

  وينجس المسجد بالأبوال
ونبشوا بظلمهم قبورا   وعمروا بها لهم قصورا
 
وهتكوا لحرمة النسوان

  بين محارم وزوج عاني[7]

الأهمية التاريخية

“كان ابتداء وصول البرتغاليين إلى مليبار سنة أربع وتسعمائة من الهجرة النبوية ( 1498م )”[8]. “وذلك سعيا وراء احتكار المجالات التجارية دون غيرهم، تلك المجالات التي ما زالت مفتوحة أمام الجميع، كان يشارك فيها العرب وأهل مليبار، وفيهم الهنادكة والمسلمون، على أساس من التفاهم المشترك المبني على المودة والإخاء. وكانت سياستهم التجارية الجديدة تجسد خبايا ضميرهم، وهي مستمدة من نظرية “فرِّق تسُدْ”، وبهدف السيطرة الدائمة على الثروات ذات الأهمية التجارية العالمية مثل الفلفل والزنجبيل، كما استهدفوا أن يشدوا القبض على معابر السفن التجارية في البحر العربي. وكانوا يعقدون النية لوضع الحد لنفوذ التجار المسلمين الذين في أيديهم عنان التجارة بين مليبار والجزيرة العربية. هذا إلى السخط القائم بين النصارى والمسلمين، نتيجة للحروب الصليبية التي وضعت أوزارها في القرن الثاني عشر، إلا أن أوارها لم يخمد بعدُ”.[9]

ويصرح الشيخ زين الدين المخدوم في كتابه “تحفة المجاهدين” بهدفهم قائلا: ثم إن بغيتهم العظمى وهمتهم الكبرى قديما وحديثا تغيير دين المسلمين وإدخالهم في النصرانية.”[10] وهو الذي يصرح به القاضي محمد في “الفتح المبين”:

وقصده الأعظم جعل المسلمين         في دينه أو قتلهم يا مسلمين

أما البرتغاليون المستعمرون فقد اتخذوا في أول أمرهم سياسة المداهنة والمجاملة، ولما قامت قائمتهم وقويت شوكتهم أبدوا ما أضمروا في نفوسهم، وأظهروا أنواع التعدي والعناد. يقول عنهم الشيخ زين الدين: وهم لعنهم الله أهل مكر وخديعة، عارفون بمصالح أمورهم، فيتذللون لأعدائهم وقت الحاجة غاية التذلل، وإذا انقضت سطوا عليهم بكل ممكن، وكلهم على كلمة واحدة لايخالفون أمر كبرائهم مع بعد المسافة عن رعاتهم، وقلما يصدر بينهم الاختلاف، ولم يسمع أن أحدا منهم قتل كبيرهم لأجل الولاية، ولذا دانت لهم مع قلتهم رعاة مليبار وغيرها، بخلاف ما عليه عساكر المسلمين وأمراءهم من الاختلاف وطلب الاعتلاء على الغير ولو بقتله”.[11]

ومهما يكن من أمر فقد نجحوا إلى حد في تحقيق أغراضهم عن طريق هذه السياسة الماكرة. فعلى الرغم من أنهم حاولوا مرة اغتيال الملك السامري مقتحمين إلى بيته، وأخرى بدعوته إلى قلعتهم متظاهرين بتقديم هدية غالية إليه، ورغم أن الملك السامري اضطر من قبلُ إلى فتح قلعتهم بكاليكوت التي بنوها على موافقة منه على أنهم لن يصيبوا النظام الاجتماعي السائد في هذه الديار بسوء، حينما نقضوا المواثيق والعهود بعد أن انقضت حاجتهم، رغم كل ذلك حصلوا على موافقة من الملك لبناء قلعة بشاليات. “وقد زاد من أهمية هذه القلعة أنها أقيمت في موقع استراتيجي، لأن قرية جاليام بمثابة شبه جزيرة، يحدها من الشمال نهر جاليار الذي اشتق منه اسم القرية، كما يحد من الجنوب نهر كادلندي، وأما في الشرق فهناك احتداد من مياه البحر، مما جعل هذا الموقع يضمن بقاء القلعة، كما مهدت الطريق للبرتغال لبث نفوذهم في التجارة البحرية”.[12]

وكفى شاهدا على الأهمية الاستراتيجية لهذه القلعة ما كتبه ملك كوشي الذي كان مواليا للبرتغاليين إلى ملكهم في ديسمبر سنة 1533م: إن قلعة شاليات بندق موجه إلى حلق الملك السامري، لها أهمية استراتيجية بالغة، إضافة إلى أنها تصيب كافة تجارات السامري بسوء، وإذا حاول للحرب مع كوشي صارت تهديدا للتواصل بينه وبين جنده”. ( A history of Kerala 1498 – 1801 A.D., By A Sreedhara Menon, Page; 102  )[13]

ويلخص الشيخ زين الدين تاريخ حرب قلعة شاليات، ويقول: ولما قوي عزم السامري على حرب قلعة شاليات لصدور بعض التعدي منهم، وبتحريض المسلمين له على ذلك وتوكيدهم، خصوصا في أيام حرب كووة انتهازا للفرصة، فإنهم لا يقدرون على إرسال المراكب والغربان في ذلك الوقت للمدد، أرسل إليها بعض وزرائه، ومعهم أهل فنان وجمع من أهل شاليات، ووافقهم في الطريق أهل برونور وتانور وبربورنكادي، فدخل هؤلاء المسلمون في شاليات ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من شهر صفر سنة تسع وسبعين ( 1571م )، ووقع الحرب بينهم وبين الإفرنج في صبيحته، فأحرقوا بيوتهم الخارجة من القلعة وبيعهم، وهدموا القلعة البرانية، واستشهد من المسلمين ثلاثة، وقتل من الإفرنج جماعة، فالتجأوا إلى القلعة الأصلية الحجرية واستقروا فيها، فحاصرهم المسلمون ونيار السامري، ووصل إليها المسلمون من سائر البلدان للجهاد، وحفروا خنادق حول القلعة، واحتاطوا في المحاصرة، فلم يصل إليهم القوت إلا نادرا خفية، وصرف السامري لذلك أموالا جزيلة.

وبعد نحو شهرين من ابتداء الحرب وصل السامري بنفسه من فنان إلى شاليات، وحصل الاحتياط التام في المحاصرة، حتى نفد ما عندهم من القوت، وأكلوا الكلاب وأمثالها من المستقذرات، وكان يخرج برضاهم من القلعة في أكثر الأيام من معهم من العبيد وممن تنصر ذكورا وإناثا لقلة القوت، وأرسل الإفرنج القوت إلى شاليات من كشي وكننور، فلم يصل إليها مع اجتهادهم ومقاتلتهم على ذلك إلا قليل لا يسد مسدا.

وفي أيام المحاصرة أرسلوا إلى السامري يطلبون الصلح على تسليم بعض المدافع الكبار التي في القلعة والمال المصروف في الحرب مع زيادة، فلم يرض به السامري، مع أن وزراءه كانوا راضين به. فلما اضطروا بعدم القوت، ولم يجدوا طريقا للصلح، أرسلوا  إلى السامري في أن يتسلم القلعة وما فيها من الحوائج والمدافع، ويخرجهم سالمين من القتل، ولا يتعرض لما معهم، ويوصلهم إلى مأمنهم. فقبل ذلك السامري، وأخرجهم منها ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الأخرى ( 1571م )، ووفى لهم بذلك…

ثم إن السامري أخذ ما في القلعة من المدافع وغيرها، وهدم القلعة حجرا حجرا، وجعل موضعها كالصحراء، ونقل أكثر الأحجار والأخشاب إلى كاليكوت، وسلم بعضها لعمارة المسجد القديم الذي هدموه عند بناء القلعة، وسلم الأرض التي بنوها فيها وما حولها إلى راعي شاليات على ما وقع القرار عند ابتداء الحرب”.[14]

وأما قصيدة الفتح المبين للقاضي محمد فتحكي لنا قصة هذه الحرب وأسبابها ومشاهدها ومصائرها بكل تفصيل، ويصف فتح قلعة شاليات بالفتح المبين. ولا غرابة فيه، إذ “هي الحرب التي دمرت قاعدة القوة البرتغالية في الهند، ولولا ذلك الفتح لصارت مليبار كووة، وربما صارت الهند برتغالية بدلا من أن تحولت إلى مستعمر بريطاني”.[15] وشتان ما بين الاستعمار البريطاني والاحتلال البرتغالي، فإن البرتغاليين فرضوا في مستعمراتهم لغتهم وثقافتهم وديانتهم بكل قسوة وقهر، بخلاف البريطانيين.

وجدير بالذكر أن الخطبة الجهادية وثيقة تاريخية تسلط الضوء على النظام الاجتماعي السائد في ربوعنا في تلك الأيام، الذي كان أساسه التسامح الديني والتوادد والإخاء. فالقاضي محمد لم يحرض على الجهاد في هذه الخطبة لتأسيس دولة إسلامية، وإنما حرض عليه لمؤازرة ملك هندوكي يحب المسلمين ويوفر لهم التسهيلات ليسكنوا في مملكته متمسكين بشعائرهم الدينية ومحتفظين بهويتهم الإسلامية وعزتهم الاجتماعية، وقلما يوجد لهذا المثال الكيرالي مثيل في تاريخ الهند.

وكان من أروع مناظر هذه الحرب أنه لما طال الحصار وتأخر الفتح اجتمع المسلمون في مكان، والنيار في مكان آخر، وقال قائل من المسلمين: نحن بمفردنا نهاجمهم ونصرعهم، فأجاب إخوانهم من النيار: لا، أنتم قليل، ولنهاجم الأعداء يدا واحدة.” يصور القاضي محمد هذا المشهد في قصيدة الفتح المبين:

فاجتمع النيار في مكان   والمسلمون في مكان ثاني
والوزراء سايروا بينهما   ليخبروا الحال لكل منهما
فاختص كل مسلم بجانب   لأن يكون غيرهم في جانب
وأقسموا جميعهم بأننا   نموت أولا على عدونا
فقالت النيار أنتم قليل   ولا نخليكم على الحرب الجليل
لكن يكون كلنا جميعا   على الحصون جملة طلوعا
فاتفق الآرا على هذا الفكر   وإن يمت في مرة ألف نفر[16]

المراجع والمصادر

  1. القاضي محمد بن عبد العزيز، الخطبة الجهادية، منشورة في كتاب “الأيديولوجيا والنضال  “ , \ (Dr. N.A.M. Abdul Kader, Ed.)، قسم العربية بجامعة كاليكوت، 2012.
  • القاضي محمد بن عبد العزيز، الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين ( نسخة مخطوطة )
  1. الشيخ زين الدين المخدوم، تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين، مع تحقيق وتعليق حمزة جيلاكودان، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996
  2. عبد الغفور عبد الله القاسمي، المسلمون في كيرالا، مالابرم، مركز أكمل للكتب، 2000
  3. سيد عبد الرحمن العيدروسي الأزهري، من نوابغ علماء مليبار.
  4. سلينة. أن، حركة المقاومة لعلماء كيرالا كما تنعكس في مؤلفاتهم العربية، رسالة دكتوراه، قسم العربية، جامعة كاليكوت، 2008
  5. د/ ويران محيي الدين الفاروقي، الشعر العربي في كيرالا مبدأه وتطوره، كاليكوت، مكتبة عربنيت، 2003
  6. سي. كى. محمد عبد الرحمن الفيضي، حركة التدريس في مساجد مليبار، ملابرم: اتحاد الطلبة بجامع آلتوربدي، 2015
  7. محمد علي المسليار النلكتي،عظماء مليالم ( بلغة مليالم )، كاليكوت، مكتبة الإرشاد، الطبعة الأولى، 1997
  8. ك. ت. حسين، مسلمو كيرالا: إيديولوجيا النضال المقاوم للاحتلال ( مليالم )، كاليكوت، دار النشر الإسلامي، 2008
  9. ب. أ. زيد محمد، تاريخ مسلمي كيرالا ( مليالم )، ترشور، مكتبة كرنت، الطبعة الثانية، 1969
  10. عبد العزيز المنقادي، ترجمة الفتح المبين ( مليالم )، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996
  11. د/ كنكادهرن، مقدمة ترجمة الفتح المبين ( مليالم )، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996
  12. د/ جمال الدين الفاروقي، الأهمية التاريخية لقصيدة الفتح المبين، مقالة في مجلة كاليكوت، العدد الأول، نوفمبر، 2006
  13. تقارير استعراضات أشرف عليها الباحث في مكتبات عربية أثرية في مليبار تحت رعاية مركز الدراسات التراثية بتريبونيترا

[1]  عبد الغفور عبد الله القاسمي، المسلمون في كيرالا، ملابرم: مكتبة أكمل، 2000م، ص 20-21

[2]  السيد عبد الرحمن العيدروسي الأزهري، من نوابغ علماء مليبار، ص 58

[3]  وكانت مغادرته لمليبار نتيجة لاحتيال المسؤولين البريطانيين، ولم يدرك الشعب مكر البريطانيين إلا بعد أن غادر البلاد إلى الحجاز لأداء الحج. لكنه واصل دعوته بين العرب، وعين واليا على منطقة ظفار في سلطنة عمان، ثم ارتحل إلى الآستانة، واشتهر باسم فضل باشا المليباري، وعمل هناك مستشارا للخليفة العثماني، إلى أن لبى نداء ربه.

[4]  عائلة ملكية حكمت اليمن، عرفت بالرسوليين لأن جدهم كان حامل البريد للملوك

[5]  السيد عبد الرحمن العيدروسي الأزهري، من نوابغ علماء مليبار، ص 56-60

[6]  القاضي محمد بن عبد العزيز، الخطبة الجهادية (نسخة مخطوطة)

[7]  القاضي محمد بن عبد العزيز، قصيدة الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين (نسخة مخطوطة)

[8]  الشيخ زين الدين المخدوم، تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين، مع تحقيق وتعليق حمزة جيلاكودان، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996، ص: 36

[9]  د\ جمال الدين الفاروقي، الأهمية التاريخية لقصيدة الفتح المبين، مقالة في مجلة كاليكوت، العدد الأول، نوفمبر، 2006، ص: 57

[10]  الشيخ زين الدين المخدوم، تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين، مع تحقيق وتعليق حمزة جيلاكودان، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996، ص: 42

[11] نفس المرجع، ص: 43

[12] د\ جمال الدين الفاروقي، الأهمية التاريخية لقصيدة الفتح المبين، مقالة في مجلة كاليكوت، العدد الأول، نوفمبر، 2006، ص: 59

[13] د\ كنكادهرن، مقدمة ترجمة الفتح المبين ( مليالم )، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996، ص: 17

[14] الشيخ زين الدين المخدوم، تحفة المجاهدين في بعض أخبار البرتغاليين، مع تحقيق وتعليق حمزة جيلاكودان، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996، ص: 61 – 63

[15] حكاية عبد العزيز المنقادي عن د\ أم. جي. أس. نارايانان، مقدمة ترجمة الفتح المبين (مليالم)، كاليكوت، مكتبة الهدى، 1996، ص: 28

[16]  القاضي محمد بن عبد العزيز الكاليكوتي، قصيدة الفتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين (نسخة مخطوطة)

Comments

مقالات مشابهة