قصة البقرة في بلاد الهند

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

بقلم: مبشر بن حمزة الوافي

الهند مزدانة بأسراب الطيور الحوامة من أهالي الأديان المتنوعة ومزدهرة بالأزهار المتلونة يتحلون بها من الثقافات المتعددة أزياؤها والمختلفة لغاتها والمتكاثرة أطعمتها والمتفاوتة تقاليدها، وخيل إلى الشعراء والمفكرين أنها حديقة خضراء زاخرة بالورود الناضرة ومفعمة بالبراعم النفحة، والهنود هناك بلابلها المتطايرة وصفها الشاعر العبقري والمفكر الألمعي العلامة محمد إقبال في نشيدة تثني على ملامح الهند الحسية والمعنوية من وحدتها بين التفاوت والتعددية ونظامها الجغرافي من الجبال الراسخة والأنهار الفياضة، وهذه تجربة حية لمن يحيى في أراضي الهند من شعورية البستان المتصف بالنعوت الخلابة والأوصاف الأخاذة المذكورة أعلاها.

وكيفما أن الأزياء واللغات والأطعمة متنوعة كل الهنود يتمتع بتناول وارتداء وتكلم ما ترغب فيه من المأكولات والملابس واللهجات دون أية عقبة أو عائقة، ومن أطعمة معظم الهنود مثل بواقي الدول العالمية كانت البقرة النوع اللذيذ من الأنعام التي عبر عنها الباري «وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون، وعليها وعلى الفلك تحملون»، وهي مذبوحة للحومها المشحونة بفيتامينات وبروتينات والدهون وقوى دفاعية ومناعية ومبيعة لفوائد مالية والأرباح المقنطرة من التصدير والإصدار ومستخدمة للحوائج الزراعية والفعاليات الفلاحية من الدياسة والحرث والجرف والاقتلاع، ولا يستثنى من هذا الديدن دين بخصوصه بل كل دين أصحابه يتعاملون بالبقرة حسب حوائجهم من الأكل والبيع والزراعة وغيرها حتى الديانة الهندوسية الغالبية عددا وعدة والحاكمة أقاليم وولاية.

وهم يذبحون البقرة بمناسبة عباداتهم وحفلاتهم كما يضحي المسلمون أهل الديانة الثانية بعدد أصحابها في العيد الأكبر وغيره وأصحاب الديانات الأخرى على التو، هذا تراث الهند من قديم الزمان وعريق الأيام رغم تعددية ثقافاتهم وتنوعية عباداتهم كانوا على التعايش السلمي والتعاملي الأخوي لا عداوة تقتل ولا شنيعة تظلم، ولم تكن البقرة مقدسة ولا مشرفة في كتب أي ديانة ولا في الأسفار والصحائف المتلوة بل تذكر في الكتب المعظمة لدى الهندوسيين والمتلوة في هياكلهم وصوامعهم حينا وآخر وقائع تضحى فيها البقرة لإقناع الآلهة ولترضية الديوا وتتميما للميعاد واستيفاء النذور والأيمان كما في قصة رامن وسيتا وما إلى ذلك، وكفانا دليلا على قتل الأبقار ما وجد من الآثار والبقايا البلية للأبقار، والميزة بين المذبوحة وما ماتت بالأمراض وبأسباب عادية علامات ضرب السيوف أو طعنة الرماح أو رمية الأحجار،وفي القرون المنتصفة بدخول جمهرة غالبية إلى الأعمال الزراعية عقب سقوط الحضارة في الضفة السندية اعتبر ذبح الأبقار من الذنب والجريمة، ومعقبا بذلك حظر قتل الأنعام عموما والأبقار خصوصا ولكن لم تشتمل جرائم الكتب المقدسة عليه من راماينا ومهابهارتا.

ويقول مؤسس الدستور الهندي ورمز المكافح الطبقية بي آر أمبيدكار في كتابه «غير الملموسين، ومن كانوا وبم صاروا غير الملموسين» إن كل من يتناول البقر يعتبر من شريحة الغير الملموس بعد أن بين أوضاع الهند الطبقية وأنواع الأطعمة، فأردف قائلا كانت على ثلاثة أنواع وفقا للمطعوم، فالنوع الأول من يتناول الخضراوات فحسب،والثاني من يتناول اللحوم دون الأبقار، والثالث من يتناول الأبقار وغيرها من اللحوم، وفي أول الأمر كان كل طبقة من الهندوسية تتناول هذه اللحوم كلها ولكن في مستهل البوذية حين تتسابقها الهندوسية تقننوا بحظر تناول الأبقار للطبقة العليا لاسترجاع العزة الفائتة والمفخرة العالية والاحترام البالغ الذي انفلت إلى رهبان البوذية وقساوسهم حتى تنافسوا في ترك اللحوم في محافل الملوك ومجالس العوام.

وكان مطلع عبادة الأوثان في هذا الصدد مقتديا خطى البوذية في بناء التماثيل والأصنام حتى صنعت أصناما في صورة آلهتهم المسماة بكرشنا وشيفا، هكذا تحولت الديانة الهندوسية من جديد وتغيرت وجهها على حدة، ومما يدل على انتفاء قداسة البقر وفضيلته المدعاة في هذه الآونة الأخيرة عدم بناء الهياكل والمعابد في اسم الأبقار خلافا لما يعبد الهندوسية من الآلهة المتعددة، فالمفهوم أن قداستها طرأت بعد أن استخدمت في العمليات الزراعية، وألبس الطائفة العليا لهذه القداسة الرداء الديني واستغلوا من ورائه لحرز الأصوات من أصحاب الديانة الهندوسية إلى رصيفهم، وترتبا على هذه الحيلة الماكرة يدعون أن البقرة هي الوالدة المكرمة والإلهة المعظمة.

هذه الإستراتيجية المكيدة قد وصلت إلى ذروتها وكادت في تطبيقها فعلا في الأعوام الأخيرة خصيصة تابعا بعواصف الإرهابية المزعفرة القاضية على عديد من حياة الأسفليين طبقة والأقليين عددا، واضطربت هدوء الشمال أكثر في الولايات مثل راجستان وأوتاربراديش وجهارغاند،وقد شهدت لتضحية الأرواح الأبرياء أمام هذه الفاشية النتنة من أمثال أخلاق وأليم الدين وقاسم وفهلو خان وغيرهم، وأخلاق في كهولته كان ربا لداره في إقليم دادري في أوتاربراديش وشن عليه وعلى ولده وعياله بعض من المتطرفين الغارة بتهمة حفظ لحوم البقر في الثلاجة رغم تركهم ذبح الأضحية وفقا لقانون يمنع ذبح الأبقار لئلا تثير الفتنة والضجيج،هذه عينة فظيعة لتلك الأحوال الكوميدية الرهيبة تشهدها الهند عيانا وتراها الهنود مباشرا، قصة البقرة تزعفرت وتحطمت وجاشت على معاش فقراء لا ينحصر وأبرياء لا يعد، وهم لا يقومون بأية تهديدات ولا يقبلون شيئاما من التحديات وهم بمعزل عن الافتتان والإفساد.