العرب وقضية فلسطين

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

بقلم: أبوبكر الصديق الفيضي الندوي 

يا حبذا لو كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ومِن بعدِها مملكة البحرين عرضوا نواياهم ومشروعاتهم لتطبيع العلاقات مع ‘الكيان الصهيوني’ على مجلس التعاون الخليجي وناقشوا الموضوع هناك بكل ما فيه من الإيجابيات والسلبيات وتوصلوا الى مبادرة مشتركة قبل أن تقوم كل دولة بتوقيع إتفاقية لتطبيع العلاقات معه علاحدة . والآن صار الأمر كأنهم خضعوا أمام  تهديدات ترامب أو اقتنعوا بتوصياته ووعوده الجوفاء وكأنهم ارتموا في حجور عدوانهم نابذين مطالباتهم ومواقفهم التاريخية وراء ظهورهم. 

فلسطين قضية الأمة للأبد

ويا حبذا لو توصّلوا الى بنود اتفاق مع دولة اسرائيل تضمن   انسحابا كاملا من الأراضي التي احتلتها إثر الحروب العربية-  الإسراييلية التي جرت في عام ١٩٤٨ وفي ١٩٦٧ من المناطق التي تنتمي الى الدول العربية حسب المواثيق الدولية. وكذلك تجبرها على إلغاء جميع مُخطَّطاتهم الحالية والمستقبلية لتوسيع دولتها وفرض هيمنتها على البقية الباقية من الأراضي الفلسطينية والحد من إجراءاتها الغير القانونية والمخالفة لقرارات هيئة الأمم المتحدة لهدم منازل ومخيمات الفلسطينيين الذين يقطنون هناك كابرا عن كابر لكي يستعملوها في بناء مستوطنات جديدة لمواطني إسرائيل.

ويا حبذا لو طالبوا حكام إسرائيل على الأقل باحترام قرارات الهيئة الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية , منذ البداية الى الآن قبل أن يتسارعوا في إبرام الإتفاقية. كل ذلك لم يقع على ما يبدو. 

وكم كان حسنا لو رفعوا عزمهم بالتطبيع الى اجتماع طارئ للجامعة العربية وبحثوا القضيةبكل جدّية و بدون تصورات مسبقة كي يبدأوا صفحة جديدة من التاريخ للعلاقات مع إسرائيل بموقف موحد من الدول العربية بكاملها ليظهروا أمام العالم أنهم وإن لم ينجحوا في توحيد الصفوف ضد إسرائيل بمقاطعتهم لها وإجبارها على احترام الميثاق الدولية ولكن نجحوا وتمكنوا على تبني قرار موحد مجمع عليه في احلال الصلح معها وتطبيع علاقاتهم معها كأية دولة أخرى ناسين جميع الصفحات الماضية المريرة لأن يبدأوا عهدا جديدا من التاريخ في المصالحات المبنية على المصالح الثنائية مع إسرائيل. 

وكم كان جميلا إذا اجتمعوا في اجتماع منظمة التعاون الإسلامي مع أعضاءها الشقيقة وفتحوا قلوبهم وملفاتهم من جديد وناقشوا المسائل التي تُهمُّهم بدون اية التزامات سابقةلكي ينتهجوا منهجا جديدا وينحوا منحى مختلفا حسب مقتضيات الزمن المتغير ومتطلبات النظام الجديد. 

ولكن – للأسف – كل ذلك لم يكن. بل أخذ يتسابق كل دولة فردا فردا مشغوفة ولهة الى معانقة عدوهم اللدود وخصمهم المبين غير مبالين بما يرى ويفكر ‘دولهم الشقيقة والصديقة’ حسب مواصفاتهم الدبلوماسية. 

وكم كان رائعا اذا فحصوا نبوض جماهيرهم واستطلعوا آراء مواطنيهم واستمعوا الى أصوات شوارعهم ونجحوا في تغيير مواقفهم وفي إقناعهم الى هذا التقلب التاريخي والتغير الجذري ليكونوا أيضا على بصيرة من الأمر من نتائج هذه السياسة الإيجابية حسب زعمهم ومن منافعها التي تعود الى الأمة العربية والإسلامية حسب توقعاتهم. 

وكم كان ممحمودا إذا جلبت هذه الإتفافية ليلا ساكنا لأطفال غزة والضفة الغربية ويوما هادئا لأبناء وبنات فلسطين الذين طالما يُقضُّ سباتهم كابوسُ المظالم ونيران العدوان منذ عقود من الزمان بدون أي ذنب لهم. 

 وكم كان مفخورا ومغبوطا اذا اتفقت جميع الدول العربية والإسلامية وعرضوا عزمهم بتطبيع العلاقة مع أعداءهم الألدّاء أمام هيئة الأمم المتحدة مشروطة احترام دولة اسرائيل قرارات الأمم المتحدة بما فيها حقوق الفلسطينيين لإقامتهم في دولتهم المستقلة ذات سيادة وكرامة, عاصمتها القدس. 

كل هذه آمال وأماني لا تكاد تتحقق في عالمنا الحاضر .ولكن الغريب جد غرابة أنه ما ذا أصاب لحمية العرب وأنفتهم ونخوتهم الموروثة وكرامتهم التي طالما كانوا يتفاخرون بها ويستميتون لها كما قال عنترة بن الشداد من رموز العروبة: 

” فَلا تَرضَ بِمَنقَصَةٍ وَذُلٍّ        وَتَقنَع بِالقَليلِ مِنَ الحُطامِ

فَعَيشُكَ تَحتَ ظِلِّ العِزِّ يَوم  وَلا تَحتَ المَذَلَّةِ أَلفَ عامِ”

وكما أكد به سموأل بن عادياء من الشعراء الجاهليين: 

 “إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ

فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ

وَإِن هُوَ لَم يَحمِل عَلى النَفسِ ضَيمَها

فَلَيسَ إِلى حُسنِ الثَناءِ سَبيلُ”  

إذن فلِمَ يحملون الدنية ويرضون بالنقيصة مع ما لهم من المال والجاه والمكانة في العصر الحاضر لا ينقصهم الا الشعور بقيمتهم وقامتهم ولم يقتنعون بالخسة والهوان من الجبابرة والفراعنة. 

أيها الحكام العرب ! ماذا استفدتم من جمعياتكم ومنظماتكم ومجالسكم طيلة هذه العقود من الزمان? وما انتفعتم أنتم اونفعتم إخوانكم الفلسطينيين باجتماعاتكم ومؤتمراتكم ولقاءاتكم وقراراتكم وبياناتكم وتنديداتكم واستنكاراتكم في هذه الفترة الطويلة رغم صرفكم أوقاتكم الغالية وأموالكم الباهظة في عقدها وانجازها ? 

هل توقنون الآن أن ما صرفتم وبذلتم من الجهود والمساعي في تحرير فلسطين كان عبثا وذهب سدى وهل تندمون على ما صدر منكم في تعزيز وتقوية القضية الفلسطينية وإدامتها حية مشتعلة ? وهل تفكرون كما يفكر أمريكا وصديقتكم الجديدة  إسرائيل أن الفلسطينيين تجاوزوا الحد في مطالبتهم لحقوقهم وأن المنظمات النشيطة في سبيل تحرير فلسطين معظمها مستحقة لأن تكتب في قائمة الجهات المتطرفة والإرهابية ? وحينما أفكر في كل ما جرى و حدث في عواصم وقصور البلاد العربية منذ احتلال الأراضي الفلسطينية على أيدي ‘القوات الصهيونية’ حتى الزمن القريب, يتشخص في خاطري حكاية شعبية شائعة في بلادنا وهي قصة رجل مختل الدماغ يعرف ‘بمجنون نارانات’ كان يعتاد أن يدحرج الصخرة الثقيلة الى قمة الجبل الذي بجانب قريته بكل إتعاب وإجهاد لنفسه . وإذا وصل الى أعلاه يتركها ويدحرجها الى الأسفل لينبسط بمشاهدة هذا المنظر فقط  حيث كان يكررها حسب مزاجه.