أين اللّه في زمن فيروس كورونا المستجدّ ؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

بقلم / محمد ذيشان أحمد

و لا يخفى على مَن امتهن التدريس، و اشتغل بالتعليم أن التحضير الجيِّد، أهم أركان التعليم، وأساس جودته، ولا أحسبني أبالغ حين أقول: إنه يحلّ محل العمود الفقري في نجاح التدريس، وهو أقوى سلاحٍ في مجال التعليم، ومِن شِيم فُرسان الميدان التعليمي في الزمان الغابر، والأوان الحاضر.

التحضير و ما أدراكم ما التحضير؟  به يستيطع المعلِّم 

تقديم المادّة بأسلوب جاذب، وبمنهج هادف، فيشوِّقها إلى طلابه، ويحبِّبها إلى قلوبهم، و يقرِّبها إلى عقولهم.

وبه يتمكن من شرح الألفاظ، و إيضاح الأغراض، وبه يملك لطافة العبارة و ظرافة الإشارة؛ ليكون درسه عاليا، وإلقاؤه راقيا، ويجد الطالب الواعي في درسه غايته المنشودة، وبغيته المطلوبة، ويستوفي المقاصد، ويستوعب الفوائد، ويُنمّي المواهب.

ليس هذا مجرد كلام قيل ويقال، بل من تجارب الرجال في هذا المجال؛ فدونكم من أنفع ما ورد في هذا الباب، وتلك هي تجربة ثرية لأحد الأساتذة الموفقين، والمعلمين الناجحين، وهو د. غازي القصيبي، – رحمه الله- 1)

تجربته الثرية :

 هذه تجربة  لـ د. غازي القصيبي في التدريس الجامعي، أودعها في سيرته الذاتية القيمة “حياة في الإدارة “، و سترون فيها غرر الفرائد، و درر الفوائد لمن رام النجاح، وأراد الفلاح في حياته التدريسية.

و لأتركه الآن يقص علينا هذه التجربة الثمينة بكلماته؛  فهو بتعبيره أدق، وبوصفه أصدق  :

يقول القصيبي: ” أسلوبي في التدريس، يمكن تلخيص هذا الأسلوب على النحو التالي:

” لا يمكن للمادة أن تكون مفيدة ما لم تكن مشوّقة، ولا يمكن أن تكون مشوّقة ما لم تكن مبسّطة ( سهلة )، ولا يمكن أن تكون مفيدة ومشوِّقة ومبسَّطة ما لم يبذل المدرِّس أضعاف الجهد الذي يبذله الطالب “.

   كنتُ أقول للطلبة في المحاضرة الأولى: إنّ رسوب أي منهم يعني فشلي في تدريس المادة قبل أن يعني فشله في استيعابها.

   ‏ كنتُ أقضي وقتا طويلا في التحضير، ثلاث ساعات من القراءة لكل ساعة في الفصل.

   ‏

   لا يمكن لمدرّس أن يعدّ محاضرة مشوّقة إذا اكتفى بقراءة كتاب واحد، سرعان ما يكتشف الطلبة الفرق بين محاضر حقيقي يشد انتباههم، وبين محاضر يردّد كالببغاء ما يجدونه في الكتاب المقرّر.

   ‏

   ويضيف – رحمه الله – فيقول: ‏

  التيسير والتعسير ( أو التشويق والتعقيد ) ، هذا هو الفارق بين المدرّس الناجح والمدرّس الفاشل .

علّمتني تجربتي الدراسية الطويلة أنّ المدرّس الذي يستطيع تبسيط المنهج يفتح أمام الطالب آفاقا جديدة من المعرفة ويحثّه على الاستزادة منها.

أمّا المدرس الذي يتعامل مع مادّته وكأنّها لغز أو طلسم فإنه سرعان ما ينجح في جعل الطلبة يتعاملون مع المادة وكأنها بالفعل من الألغاز أو الطلاسم.

أذكر أنّ مدرّسا في كلية الحقوق ” هدّدنا ” في أول محاضرة بأن نتوقع كتابا لا يقل حجمه عن خمسمائة صفحة ! . عجيب أمر مدرّسٍ يخوّف طلبته بحجم كتابه !

كانت علاقتي مع طلبتي من محاضرتي الأولى إلى محاضرتي الأخيرة قائمة على الكثير من الاحترام المتبادل والكثير من المودّة المتبادلة .

قال أحد زملائي ، مرة إنه اكتشف سر ” شعبيّتي ” بين الطلبة عندما سمعهم يضحكون أثناء محاضرتي. 

 لا أعرف مدى شعبيّتي ولكني أستغرب أن يستغرب أحد وجود قدر من الفرح والمرح في المحاضرات

لم يقل أحد إن العلم يتطلّب تحويل الفصول إلى قبور كئيبة !

لا بدّ هنا أن أقول: إن التدريس فن لا علاقة له بكميّة العلم التي يختزنها المدرّس، أغزر الناس علما قد لا يكون قادرا على

نقل علمه إلى الآخرين، وأنجح المدرّسين قد لا يكون أعلمهم” )٢)

هذه عصارة تجربته، وخلاصة خبرته، التي تستحق أن تكون نبراسا مشرقا، و مشعلا منيرا في دروب التعليم، و سبل التدريس.

والحديث بالحديث يذكر،  مما تحضرني هنا مقولة شيخ اللغة العربية في الهند، و المعلم الفذّ، و المربيّ الموفقّ، الشيخ وحيد الزمان القاسمي الكيرانوي – رحمه الله -، (٣) حين قال عن تحضير الدرس:  

 ” ربما أقضي ثماني ساعات في تحضير درسٍ واحدٍ “

 ‏تاملوا إخوتي القراء تأملوا،  عالمٌ مثله، و معلم نحوَه لا يتوانى في قضاء ثمان ساعات في درس واحد !

 ‏

ولله در صلاح الدين الصفدي حين قال : 

الجَدُّ في الجِدِّ والحِرمانُ في الكَسَـلِ**

فانصبْ تُصِبْ عنْ قريبٍ غايةَ الأملِ (٤)

وأختم هذا المقال بحوار جرى بين تلميذ وأستاذ، وهو يصوّر لنا دور التحضير أوضح تصوير، ويمثِّل لنا دور المعلم أروع تمثيل.

يُحكى أن طالبا قال لأستاذه مرة : 

أستاذي الكريم، نحن الطلاب نفهم دروسك فهما جيدا، و نستمتع بها أيما استمتاع؛ لذا ننتظر حصتك بفارغ الصبر، ولكن إذا طالعنا الكتاب نفسه، و قرأنا الدروس نفسها دون تدريسك،  فلا نتمتع كما نتمتع في حصتك، و لا تنشرح صدورنا كما تنشرح لشرحك، لِم هذا الفرق؟

قال الأستاذ : يا تُرى كيف يصنع النحل العسل؟

اجاب الطالب: طبعاً، يصنعه برحيق الأزهار.

فسألهم الأستاذ، أخبروني لو أكلتم تلك الأزهار عينها، و ابتلعتم أوراقها، كيف يكون طعمها ؟ قال الطالب:  يكون مُرّا، فقال الأستاذ : إجابة موفقة، ومسددة، والآن، استمع إليّ: 

مَثل طاقم التدريس كمَثل النَّحل الذي يعمل بجدٍّ صباح مساء، كذلك الأستاذ يزور كثيرا من الحدائق العلمية،( من مطالعة الكتب المتنوعة، و الاستفادة من التجارب الثرية، و والاعتبار بالمشاهد المعبرة ) فيجمع رحيق أزهارها، ثم يصنع منه عسلا مصفى، ويعرضه على الطلاب، بصورة الدروس النافعة، والمحاضرات الماتعة، فهم ينتفعون بها و يتمتعون” .

و الدرس المستفاد من هذه القصة الحوارية أن واجب الأستاذ يماثل واجب النحل، في بذل الجهود المضنية دون كلل وملل، ستظهر نتائج هذه الجهود المبذولة بشكل عسل عذب مصفى في الأولى و العقبى، فطوبى لهم به. 

وقال عيادة خليل العنزي يخاطب المعلمين :

مَصَابِيحُ الدُّجَى أنتُم ضِياءٌ**

مُشِعٌّ في السُّهول و في التِّلالِ

و أنْتُم جَنّةٌ بالنُّور تُسْقَى **

على أرْضِ المَهابة و الجَلالِ

و أنتم قُدوةٌ للخير تَمضي** و وجهٌ مُشرِقٌ في كلِّ حالِ