كيف نحمي منجزاتنا.. الخروج من دائرة الفشل

Share on facebook
Share on twitter
Share on email

 

منذ عدة عقود تعاني الدولة العربية الوطنية من تكرار فشل خططها التنموية و رغم تغييرها لمناهج العمل وتبديلها لفلسفات البناء الاقتصادي الا انها لم تبرح دائرة التجارب والخطأ.ومع حصول فشل المرحلة تنتهي شبكات علاقتنا الاجتماعية الى الإهتزازا نتيجة لما يفرزه من أزمات اقتصادية أو مستلزمات للخروج من مرحلة الى أخرى.. ونعيد الكرة تلو الأخرى ولكن بلا جدوى.. ألم يئن الأوان لتفكير أعمق وتصور أكثر شمولا؟ لماذا لا نقف وقفة تدبر حقيقية؟ لماذا ننشغل بالكلام غير المفيد في هذه المرحلة ونهدر فيها عمرنا وأوقاتنا؟مقارنات غير صحيحة:يذهب البعض الى عقد مقارنات بين مسيرة النهضة بين بلداننا وبلدان العالم الثاني والاول فيستدلون من خلال ذلك على فرضيات اولها سوء الادارة في تجاربنا وصلاحها لدى الاخرين.. وتطل تجربة كموديا وكوريا الجنوبية وماليزيا واليابان في المشهد وتحضر الارقام والشواهد فنزيد غرقا في اليأس والاحباط ويذهب البعض الى التنظير الايديولوجي بأننا لا نصلح للنهضة العمرانية أو أننا لم نركز على جانب من الجوانب كالاهتمام بالقانون والالتزام بجدية العمل وسوى ذلك من المبررات التي تجد طريقها الى العقول والنفوس.. وذهب مفكرون كبار الى المقارنة بين مشروع مارشال لاعمار اوربا بعد الحرب العالمية الثانية ومشاريع مشابهة في بلداننا العربية و الاسلامية وكيف نجحت هناك وفشلت هنا؟بل إن بعضنا ذهب لمقارنة مع الكيان الصهيوني وكيف تطور ونمت قوته الاقتصادية والفنية في خلال عشرات السنين فيما انهارت دول كبيرة من دولنا؟ وللمقارنة نفسها يبرز المثال المصري -ومصر دولتنا العربية الوطنية الاكبر- فلقد كانت القاهرة قبل قرن من الزمان أجمل من باريس ولندن ولكنها اليوم كما يعلم الكثيرون ملايين البشر يبيتون في المقابر ومعظم أحيائها السكنية آيلة للسقوط.ومع الاحترام لأي عملية مراجعة ومقارنة الا ان المسألة كانت تلامس السطحي في الموضوع وان جهودنا انصبت على الهوامش فيما تركنا القاعدة الاساسية للبناء الحضاري خلف ظهورنا ولعله من الواضح اننا نتفق من حيث المبدأ مع اولئك الذين لاحظوا فشل مشروع مارشال في بلداننا ونجاحه في اوربا الا أن هذا المنطق لم يحل لنا المعضلة لانه اعتمد ملاحظة شكلية ولم يتجاوز السطح في المقارنة.التنمية في بلداننا:لقد شغلت الايديولوجية في بلداننا حيزا كبيرا لدى نخبنا الثقافية والسياسية وأصبح التطرف الايديولوجي سمة لازمة لمؤسساتنا ونخبنا ولم تتوقف المعاني عند حدودها الطبيعية ومجالات فعلها الموضوعية انما اتجهت لتغطي مساحات النشاط الانساني جملة وتسرب التطرف الايديو لوجي لتحديد العلاقات بين هذا الحزب وهذه الجهة وتلك داخل الاسرة الوطنية وكان هذا عامل من عوامل التخريب لمشاريعنا وتعطيل عجلة النمو ولم يقف التطرف لدينا عند جهة دون اخرى فالعلمانيون متطرفون والاسلاميون متطرفون والقوميون متطرفون وكل منهم يتصرف نحو الاخرين بروح اقصائية مدمرة ولا يقبل مشاركة وتداخلا مع الاخر في البناء والادارة والحكم، وهكذا اقتحمت قسوة الايديولوجية مجالات الادارة والسياسة الداخلية.وكانت هذه ولازالت المعضلة الاساسية الذاتية في تعطيل مشاريع التنمية عندنا فلا يكفي ان يكون مشروع النهضة متفتحا وايجابيا وواعدا لانه عندما ينزل في برامج للتنفيذ تستقبله ادارة متناقضة ايديولوجيا مع صاحب المشروع فتعبث به وتلقي به الى مدارج الاهمال او الفوضى بروح انتقامية وتنتهي الخطة الى فشل تلو الفشل.وفي هذه المعضلة يطول الشرح ولكن يكفي أن نراقب كيفية الانتقال من نظام اشتراكي الى نظام انفتاح اقتصادي ومايرافق ذلك من تخريب للمؤسسات وبيع للشركات واملاكها بروح انتقامية للتدليل على فشل التجربة السابقة والمسألة لاتقف عند حد المؤسسات الاقتصادية بل تطال المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والفنية..ان التنمية في بلداننا العربية امنيات ليس أكثر.. وهي صرف للاموال وتشغيل للموظفين والعمال والمحصلة مزيد من الغرق في مستنقع التخلف والتبعية وازدياد الاعباء على الدولة والتذمر في المجتمع وهذا يعني بوضوح اننا ازاء تحد كبير قد يودي بكيان الدولة الوطنية.هناك أمثلة أخرى عالجت مسألة الايديلوجية عندما شطبت وجود كل القوى المعارضة وأصبح الحزب الايديولوجي الواحد هو من يتحكم بالادراة ودواليب الاقتصاد والحكم والمجتمع الا انه واجه تحد من نوع اخر فالعراق مثلا نجح في عملية التنمية في جوانب كثيرة وصنع حليب الاطفال وبنى الجسور العملاقة بخبرة عراقية ومعادن صنعت بالعراق وطور اسلحته ذاتيا وبنى مصانع الفوسفات العملاقة ووفر للمواطن تعليما كاملا وطبا مجانيا شاملا ورفاها واسعا لم يبلغه بلد آخر.. وبنى جيشا قويا حديثا بل دخل على مجالات المفاعل النووية واستطاع اقليما ان يثبت نفسه كأقوى بلد اقليمي.. الا انه سقط.المثال الاخر سورية والتي فرضت واقعا شبيها بالعراق حيث تحكم حزب البعث في كل شاردة وواردة من الحكم والاقتصاد والاعلام والثقافة والادارة وتم اقصاء الاخرين تماما وان بقي بعض القوى ففي الهامش الاجتماعي والاقتصادي فحققت اكتفاء على صعيد الغذاء والملابس وكثير من الجوانب وكانت خزينتها متحررة من الديون بل ان دخلها في ازديداد وكان الاستقرار الاجتماعي سمة المجتمع البارزة المثال الثالث ليبيا القذافي حيث تطرف موقف النظام الى اعتبار ان من تحزب خان فذهب الى تكميم الافواه واقصاء كل مخالف الامر الذي نتج عنه هجرات واسعة من قبل النخبة الليبية الى خارج البلاد.. ومع كل الاجراءات في مجانية التعليم والطب والمساعدة في العلاج بالخارج والرواتب المجزية الا ان البلد عاشت تصحرا كبيرا باعتبار ان عدد السكان المحدود المتأثر بهجرات النخبة لم يغط مجالات الحياة المتنوعة في ظل حكم نزق حالم.. رغم ذلك كانت الدولة الليبية غنية الى اقصى درجة ودخلت مغامرة ان تصك عملة جديدة في افريقيا وجلبت الذهب من شتى انحاع العالم وجهزت للامر عدته لبناء قاعدة الاقتصاد الحقيقة وهي الدينار الافريقي للتحرر من هيمنة الاقتصاد الامريكي والراسمالي جملة.. ونعرف نهايته.كل تجارب التنمية والتقدم في بلداننا العربية سقطت تاركة خلفها أثقالا من العجز والارتباك والازمات الاجتماعية التي ظهرت في بلدان عديدة على شكل حروب داخلية واستنزاف لكل نواحي الحياة في المجتمع والدولة.وقد يطرح متسائل ملاحظة ايجابية عن اقتصاد الامارات المتحدة.. ورغم ان الموضوع قد نوقش مرات عدة الا انه بسرعة يمكن الاشارة الى ان الامارات لا تخضع للقراءة التي نحن بصددها فالامارات ليست دولة انما هي كيان تم تجميعه باشراف بريطاني لتأدية مهمات وظيفية في المنطقة العربية لتطويق الجزيرة وتفسيخها وتحويل المقدس فيها الى غير وظيفته وجر المنطقة العربية خارج سياقها الطبيعي ولذا فنحن نرى كل مشاريع الامارات وهي دولة وليدة وجدت في 1970 تتجه الى اعادة صياغة الواقع العربي بتدمير عواصمه التقليدية القاهرة ودمشق وبغداد وصنعاء والسيطرة على ممرات المياه والموانيء العربية.. ولهذا وجدنا ان شركة موانيء دبي تتحرك كشركة الهند الصينية الاستعمارية البريطانية في سوقطرة وعدن وقناة السويس وخليج سرت ومطار نواكشوط الخ.. وتقوم في الوقت نفسه بمحاولة اختراق للاقتصاد في كل من دول الطوق العربي في الأردن شراء مطار عمان واراض زراعية وكذلك في مصر ومحاولة دءوبة للدخول على عالم العقارات في سورية والغرض من ذلك مفضوح تماما بعد ان انكشف امرها بتحويل ما تشتريه لشركات صهيونية كما حصل في القدس الشريف عندما بعثت عملاء لها لشراء بيوت في بيت المقدس وبعد ذلك حولتها لصهاينة لاحكام السيطرة على الاقصى الشريف.. هكذا يتضح ان الإمارات في خارج سياق ما نتحدث عنه فنحن نتحدث عن دول عربية وطنية فاشلة اما الإمارات فهي جزء من مشروع غربي استعماري بادوات جديدة لتغيير المعالم الحضارية للمنطقة وفتحها للانسياح الصهيوني.الوعي الغائب:بإمكاننا ان نشير الى نوعين من نتائج التنمية في بلداننا العربية الاول ذلك النموذج الفاشل ذاتيا ولم يتقدم خطوة على صعيد التنمية بل يعاني من الدوران في دوامة الفشل لا يعرف من اين يبدا والى اين يسير يستنزف طاقات وإمكاناته وعمر الشعب في تجارب الفشل، والنوع الثاني هو ذلك الذي حاول تجميع عناصر القوة والاقتدار والرفاه ولكنه سقط بفعل عامل خارجي طاغ..في الحالة الاولى كان التمزق الايديولوجي المعطل الاساسي الذي منع عملية التنمية من الاقلاع، اما في الحالة الثانية فلقد كان الحسم الايديولوجي داخل مؤسسات الدولة أساس النجاح الجزئي وهنا كان التدخل الخارجي باسقاط التجربة.بمعنى واضح اننا في الحالتين فاشلون اما ذاتيا او موضوعيا.. وهنا لابد من عدم الانسياق وراء مقولة النجاح في النموذج الثاني ذاتيا ولكن المسألة هنا بالمقارنة بدول النموذج الاول الفاشلة بدءا، ولم تقلع فيها التنمية أصلا.. ولابد من النظر بعين التوجس لسيطرة الحزب الايديولوجي على الادارة والدولة لان عوامل فساد اخرى ستتولد عن ذلك منها الوساطة والرشوة والمحسوبية والقرارات الفوقية والتمايز حسب الموقع داخل الحزب.وهنا لابد ان نبحث قبل وضع الخطط والبرامج التفصيلية عن تهيئة مناخ سليم لانطلاق عملية التنمية.. وقد يحتاج هذا المستوى من العمل بذل جهود جبارة وانفاق اموال ضخمة لانه كما يطلق عليه الاقتصاديون البنية لتحتية للاقتصاد.. وهي في الحقيقة البنية الإستراتيجية لحياة استقلال وسيادة وكرامة.وهنا تبرز لنا سنن الانتصار والتقدم بجلاء بعد رحلاتنا الطويلة من الفشل.. ولكن علينا قبل ان نميط عنها اللثام ان نناقش كل تجارب الدول الناجحة في اوربا واسيا.. ونطرح أسئلتنا لماذا نجحت هناك ولم تنجح عندنا؟ ولكن يبدو أن السؤال الًأصح لماذا سمحوا لها بالنجاح هناك ولم يسمحوا لها بالنجاح عندنا.. وهكذا نسحب النقاش الى دائرته الطبيعية عندما نستحضر الخصم الحضاري الذي لايزال مشتبكا معنا في ميادين القتال والاقتصاد والثقافة بلا توقف منذ عدة قرون وهو من يتحكم بالقرار الدولي والمؤسسات الدولية.انهم سمحوا لكثير من اقتصاديات العالم بالنمو لانها تدور في فلك اقتصادي رأسمالي لا تمثل له تحديا انما روافد استكمالية وحتى الصين لازالت في الفلك نفسه وهم يراقبون هذا الاقتصاد الضخم للصين وسيفعلون ما يرونه مناسبا تجاهه في اللحظة المناسبة، ثم انهم يتساهلون مع الهند وباكستان في صنع قنبلة نووية ويتساهلون مع ايران في بناء مفاعل نووية ولكنهم في سورية والعراق ومصر لن يسمحوا ابدا من الاقتراب من هذا الملف فهنا يظهر امن الكيان الصهيوني وتفوقه الاستراتيجي كما يظهر البعد العربي الذي تتجه قوى الاستعمار لتدميره على اعتبار خطورته في تمثله للمغناطيس المركزي لامة المليار ونصف.هنا نقترب من الاجابة كيف نخرج من دوامة الفشل والعجز والهزيمة سواء كانت بأسباب ذاتية او موضوعية؟الوحدة طريق الحل:عندما نجمع همتنا للانطلاق بمشروع تنمية يعني ان بلدنا ستحقق وفرا وقوة وهنا نصبح أكثر اثارة للآخر وااستفزازا له.. لانه في مثل هذه الحال سيخشى على مصالحه الاستراتيجية المتمثلة بنهبنا وتبعيتنا وهو هنا سيسعى لتحطيمنا بوسائل عديدة ولن يستثني منها الحرب ان لزم الامر كما افتعل في العراق وسورية.لذلك فان سعينا لامتلاك قدراتنا وتفعيلها في مشروع تنمية ليس هو الخطوة الاولى ولا الاساسية بل هو خطوة لابد ان تكون على ارضية صلبة تضمن نجاح التجربة وحمايتها وهنا تبرز لنا اهمية التكامل الامني والاستراتيجي والاقتصادي العربي.. ان الخصم يدرك ذلك جيدا فهو يحرص دوما على بذر بذور الفتن بين العرب لاسيما الجيران ليحرمهم من امكانية التعاون والتساند في وقت الخطر اليس غريبا ومعيبا ان تكون رحلات الطيران بين أي بلد عربي واي بلد اوربي اكثر بعشرات المرات ما بين بلد عربي واخر عربي؟ اليس ملفتا بالم اغلاق الحدود بين الدول العربية والامعان في اهانة المواطنين العرب على الحدود من خلال اجهزة امنية لاتفهم الا التوجس والمكيدة والتخريب والتسلط؟لن تنجح أي عملية نهضة او تنمية في أي بلد عربي الا في ظل توحيد مجموعة دول عربية مركزية تكون هي السياج الامني والاقتصادي في مواجهة أي حصار محتمل واي عقوبات محتملة واي عدوان محتمل.. على ارضية هذا الواقع الاساس يتم التفكير بتنمية تكاملية ونهضة حقيقية.. والله غالب على أمره.