الإمام الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في ضوء كتاباته

بقلم بلال أحمد شاه

الباحث في جامعة دلهي، الهند

الملخص:

هدفت الدراسة التعرف إلى شخصية الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي، ولنعرف عناصر متنوعة لشخصيته الفذة. أظهرت نتائج الدراسة أن شخصيته كانت معبرة بصفات متعددة من جهات عديدة حيث أنه أديب بارع، ومفكر إسلامي، والمفسر للقرآن الكريم، والمحدّث لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم . ويتمتع الناس من أسلوبه الجياشة والعذب السلسال، وعدا ذالك نجد في شخصياته ملكات القيادة والسيادة حيث أنه تولي مناسب كثيرة، وترك ثروة علمية كبيرة التي تشهد شخصيته العبقرية واشتهر بقلمه لدى العامة والخاصة كإمام الهند ومفكر إسلامي.

الكلمات المفتاحية: عناصر متنوعة، معبرة، مفكر إسلامي، ملكات، ثروة علمية، إمام الهند.

المقدمة:

إن هذه الفترة التي تمر بها الأمة الإسلامية، هي من أشد الفترات قلقاً واضطراباً، دقة وخطورة، ثورات تندلع نيرانها، حكومات تقمع شعوبها، وشعوب تتمرد على حكامها. هتافات، اعتصامات، مظاهرات، مسيرات، تفجيرات، اعتقالات، محاكمات، واشتباكات بين السلطة والشعب، توقف عجلة الرقي والتقدم في تلك البلاد. كل ذالك يعود إلى طبيعة استخدام القوة، وتوجيه التهديد، واللجوء إلى العنف والقيام بما ينافي الحكمة ومصلحة الأمة والبلاد. هذا الوضع الذي يشهده اليوم معظم دول العالم الإسلامي هو وضع مؤلم للغاية يحتاج في تغييره إلى تغيير، تغيير في التفكير، تغيير في الطبيعة، تغيير في المنهج، تغيير في التعامل مع الآخر. وهذه الدراسة يدعونا إلى كل ذالك، يعطينا أسلوباً رائعاً لحل الأزمات، ومعالجة القضايا، وإخمار نار الفتن، وإزالة سوء التفاهم، والتواصل بين رؤساء البلاد وشعوبها، والتوصل إلى نتيجة ترضى الجميع، وتضمن الخير والسعادة. هذه الدراسة تتناول جانباً مهماً من حياة الإمام القائد الإسلامي الحكيم الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، وهذا الجانب من أبرز جوانب حياة العلامة الندوي، وهو الفراسة الإيمانية والقيادة الحكيمة، فقد دعا إلى الدين على بصيره، وقاد المسلمين إلى الحق عن بينه.

          والحق أن الإمام الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي قد آتاه الله من المواهب والقدرات، ومنحه من المؤهلات والأدوات ما يمكنه من احتلال المكانة الرفيعة في عالم الدعوة والدعاة والأدب والأدباء. وهب الله الإمام الندوي البيان الناصح والأدب الرفيع، كما يشهد بذالك كل من قرأ كتبه ورسائله، وكان له ذوق وحس أدبي، فقد نشأ وتربي في حجر لغة العرب وأدبها منذ نعومة أظفاره، ليكون صلة بين الهند والعرب، ليخاطبهم بلسانهم، فيفصح كما يفصحون، ويبدع كما يبدعون، بل قد يفوق بعض العرب الناشئين في قلب بلاد العرب.

تأتي أهمية هذه الدراسة بأن الإمام أبو الحسن على الندوي كان من الهند ولكن العالم كله شهد فضله وجهده إلى الأدب العربي  ولا يخفي لأحد توجيحه وعنايته إلى أحوال المسلمين في العالم وفي مختلف البلاد فكان في وقت واحد أديب وعالم ومفسر ومحدث وقائد وزعيم والحكيم ومفكر عن شئون الأمة. وأن حياته كانت جامعة شاملة لجوانب متعددة، بل متناقضة أحياناً، فهو جامع بين القلب والفكر، وبين العلم الحديث، والعلوم الشرعية، وبين الدعوة بسائر وسائلها، ومناهجها، وهويخاطب المسلمين، وغير المسلمين معاً، والجماهير والحكام، سواء كانوا مسلمين أم غير المسلمين، وكلمته تسمع، وتنفذ إلى القلوب، لأسلوبه الخاص، ومنهجه الخاص، وتناول القضايا السياسية والاجتماعية والاتجاهات الفكرية في وطنه، وفي العالم الإسلامي، وأسهم في معالجتها. هذه كله نجد عند مطالعة كتبه.  

نشأته وحياته:

ولد الشيخ أبو الحسن علي الندوي في قرية “تكية كلان” من مديرية “رائي بريلي” من الولاية الشمالية بالهند، وذالك في المحرم من عام 1332ه، ونشأ الشيخ أبو الحسن الندوي في رائي بريلي، وتعلم الخط، وقرأ مبادئ الأردية والفارسية، وكان يتردد بين رائي بريلي ولكناؤ، كان غالب إقامته في لكناؤ حيث كان والده يشتغل بالمداواة، وإدارة ندوة العلماء، ولما توفي والده سنة إحدى وأربعين وثلاثمأة وألف، رجع مع أمه إلى رائي بريلي وتربي في حجرها، وقرأ الفارسية، وبرع فيها، ثم قدم لكناؤ، ونزل عند أخيه الأكبر الدكتور السيد عبد العلي الحسني، وتعلم وترعرع تحت كفالته ونظارته، وقرأ الإنجليزية، وتوسع في الدراسات الفارسية حتى تمكن من مطالعة كتب الطبقات والسير والتراجم، والحقائق والمعارف والرسائل وما إليها في الفارسية. وتوفي قبيل صلاة الجمعة في 22/ رمضان المبارك الموافق 31 / ديسمبر 1999م.

نظرة الشيخ الندوي إلى الثراث الأدبي العربي:

يقول الشيخ الندوي وهو يبين نظرته إلى الأدب العربي:

          “أصيب الأدب العربي بمحنة تصيب كل أدب، محنة تكاد تكون طبيعية ومطردة، في الأدب واللغات، إلا أن آجالها تختلف من أدب إلى أدب، فقد يطول أجلها في أدب أمة من الأمم، ويقصر في أدب أمة أخرى، ويرجع ذالك إلى عوامل عدة، أهمها: الأحوال الاجتماعية والسياسية، وحركات الإصلاح والتجديد، والبعث الجديد، فإذا توافرت هذه العوامل في الأمة قصر أجل المحنة، وإذا فقدت أو ضعفت طال أجل المحنة، وطال شقاء الأدب، والأمة كلها بها.

          هذه المحنة هي: تسلط أصحاب التصنع والتكلف على الأدب، الذين يتخذونه حرفة وصناعة، ويتنافسون في تنميقه وتحبيره، وليثبتوا براعتهم وتفوقهم وليصلوا به إلى أغراض شخصية محضة.

          وقد يطول هذا الأمر ويستفحل حتى يصبح الأدب مقصوداً عليهم، ومختصاً بهم، ويأتي على الناس زمان لا يفهمون فيه من كلمة “الأدب” إلا ما أثر عن هذه الطبقة من كلام مصنوع، وأدب تقليدي، لا قوة فيه ولا روح، ولا جدة ولا متعة.

          ويطغى هذا الأدب الصناعي التقليدي على كل ما يؤثر عن هذه الأمة، وتحتوي عليه مكتبتها الغنية الزاخرة، من أدب طبيعي وكلام، مرسل، وتعبير بليغ يحرك النفوس ويثير الإعجاب ويوسع آفاق الفكر، ويغري بالتقليد، ويبعث في النفس الثقة، ولا عيب فيه إلا أنه صدر عن رجال لم ينقطعوا إلى الأدب والإنشاء، ولم يتخذوه حرفة ومكسباً، ولم يشتهروا بالصناعة الأدبية، ولم يكن لهذا النتاج الأدبي الجميل الرائع عنوان أدبي، ولم يكن في سياق أدبي، وإنما جاء في بحث ديني، أو كتاب علمي، أو موضوع فلسفي أو اجتماعي، فبقي مغموراً مطموراً في الأدب الديني، أو الكتب العلمية، ولم يشأ الأدب الصناعي – بكبريائه – أن يفسح له في مجلسه ولم ينتبه له مؤرخو الأدب – لضيق تفكيرهم وقصور نظرهم – فينوهوا به ويعطوه مكانه اللائق به.

          إن هذا الأدب الطبيعي الجميل القوي كثير وقديم في المكتبة العربية، بل هو أكبر سناً وأسبق وزمناً من الأدب الصناعي، فقد دون هذا الأدب في كتب الحديث والسيرة قبل أن يُدون الأدب الصناعي في كتب الرسائل والمقامات، ولكنه لم يحظ من دراسة الأدباء والباحثين وعنايتهم ما حظي به الأدب الصناعي، مع أنه هو الأدب الذي تجلت فيه عبقرية اللغة العربية وأسرارها وبراعة أهل اللغة ولباقتهم، وهو مدرسة الأدب الأصيلة الأولى”.

          إن مكتبة الأدب العربي في حاجة شديدة إلى استعراض جديدة وإلى دراسة جديدة وإلى عرض جديد. ولكن هذه الدراسة وهذا الاستعراض يحتاجان إلى شيئ كبير من الشجاعة، وإلى شيئ كبير من الصبر والاحتمال، وإلى شيئ كبير من رحابة الصدر وسعة النظر، فالذي يخوض فيها ليخرج على العالم بتحف أدبية جديدة، وذخائر عربية جديدة، ينبغي أن لا يكون ضيق التفكير، جامداً متعصباً في فهمه للأدب، متعصباً لبلد أو لطبقة أو لعصر، تهوله ضخامة العمل، واتساع المكتبة العربية، أو يوحشه عنوان ديني، أو يمنعه من الاختيار والدراسة، اسم قديم لا صلة له بالأدب والأدباء، يحسب أن يكون حر التفكير، واسع الأفق، بعيد النظر، متطلعاً إلى الدراسة والتجربة، واسع الاطلاع على الكنوز القديمة، يفهم الأدب في أوسع معانيه، ويعتقد أنه تعبير عن الحياة، وعن الشعور، والوجدان، في أسلوب مُفهم مؤثر لا غير.

أسلوب الشيخ الندوي:

يقول الدكتور عبد الباسط بدر:

          “وأما الجانب الأدبي في شخصية أبي الحسن فأحسب أن قليلاً من الناس يعرفون تفاصيله، غير أنني موقن أن الحديث عنه لن يكون مفاجأة لمن قرأوا كتبه، فلا بد أنهم أحسوا به في كتاباته، ولمسوه في ألفاظه المنتقاة، وعباراته الرشيقة، ولا بد أنهم سيحسون به أكثر وأكثر في كتابيه: روائع إقبال” و”مختارات من أدب العرب” فالأول : عرض أدبي بديع لعدد من دواوين الشاعر المسلم محمد إقبال يظهر بعض جوانب الإبداع والتألق فيها، والثاني: مختارات من عيون الأدب العربي، قديمه وحديثه، تكسب الجمال بين يديك، وتقدم لك أطيب الطيب، فتكشف عن ذوق مرهف عند من اختارها، وحساسية عالية للبيان الساحر، وإدراك دقيق لمواطن الجمال فيه، فضلاً عن الثقافة الواسعة والحسن النقدي الرفيع وحسبك بهذه الصفات دلالة على المواهبة الأدبية العالية، ألم يقل النقاد عن أبي تمام: إنه في مختاراته أشعر منه في شعره ؟.

لقد تجمعت في أبي الحسن صفات الأديب الإسلامي العالمي، فهو أديب في العربية وأديب في الأردية والفارسية، وكأنما وضع الله فيه هذه السمات ليكون الرجل الذي ننتظره ليتعزز به الأدب الإسلامي، وليجد من يرعاه في عصر القوميات الضيقة، ومحاولات فصل الدين عن الأدب والفكر والسياسة والاقتصاد وجوانب الحياة العملية. فقد احتضن هذا الرجل بحماسة المؤمن الصادق أول تجمع للأدباء الإسلاميين على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم، وظهرت رعايته أول هئية أدبية إسلامية، لا في العصر الحديث وحسب، بل وفي تاريخ الشعوب الإسلامية كله فما أعرف في هذا التاريخ الطويل العريض تجمعاً للأدباء يلتقي فيه الهندي والعربي والتركي والأندونيسي، على مفهومات واحدة، ومنهج عملي موحد ولئن كانت الروابط والاتحادات والجمعيات الأدبية بدعة حديثة في العالم كله، فإنها لم تعرف تجمعاً للأدباء الإسلاميين قبل أن يحتضن أبو الحسن رابطة الأدب الإسلامي ويرعاها[1].

القصة والشيخ الندوي:

          إذا استعرضنا كتبه ومحاضراته برزت لنا القصص محوراً لكلامه ومنطلقاً لكلمته، وقد اعتمد على القصة في محاضراته التي ألقاها أمام طلبة المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي، ونشرت هذه المحاضرات بعنوان “روائع من أدب الدعوة في القرآن والسيرة” فالمحاضرة الأولى تدور حول قصة مؤمن يكتم إيمانه، والمحاضرة الثانية عن موقف سيدنا إبراهيم عليه السلام إزاء والده، فيها تعبير للحنان الأبوي، وصلة الابن بوالده، والمشاعر الجياشة في نفسه، والمحاضرة الثالثة تدور حول قصة يوسف عليه السلام فيها تصوير للمحيط الفريد الذي قامت فيه دعوته، والمحاضرة الرابعة تدور حول قصة موسى عليه الصلاة والسلام[2].

          ومن القصص التاريخية الأخرى التى ركز عليها الشيخ الندوي في محاضراته ومقالاته الدعوية قصة جعفر بن أبي طالب، وقصة هرقل، وقصة إسلام التتار، وقصة أ صحاب الكهف، وقصة موسى عليه السلام، وقصة ربعي بن عامر، وقصة يعقوب عليه السلام التي خاطب فيها أولاده قائلاً: “ما تعبدون من بعدي”، حتى أصبح ذالك من سمات أسلوبه، إنه كان يستخرج القصص من التاريخ، ويقيم عليها أساس بحثه أو فكره، وقد تكون هذه القصص مطمورة في كتب التاريخ والسير لا يتطرق إليها ذهن عامة القارئ. ثم يحلل عناصر هذه القصة ويمنحها الحرارة والحركة والحياة بأسلوبه المميز.

لقد أسبغ الأسلوب القصصي الجمال والتأثير على واقع بسيط وهو شراء كتاب، وفي هذا الكتاب مواضع كثيرة ظهر فيها ميله إلى الوصف القصصي، ومن أبرزها شعراء العجم في مدح سيد العرب والعجم، وهو معروف، وهو أقرب من الأسلوب القصصي إلى الأسلوب المسرحي، ولذالك قوبل في الأوساط الأدبية، ومثل هذا الفصل الفنانون في الإذاعة، وأعيد من الإذاعة عدة مرات على طلب المستمعين، ونال مخرج هذا البرنامج اعترافاً عاماً، وكان له تأثير كبير على الذين اشتركوا في التمثيل في الإذاعة والمستمعين إليه من غير المسلمين، وكأنه أعد للتمثيل، فعرضه الممثلون بدون أي حذف، أو إضافة، أو صياغة جديدة إلا الأصوات والصدى. ولعل هذا الشغف بالأسلوب القصصي كان انعكاس شغفه بالقرآن الكريم وكثرة مطالعته، والاعتماد عليه، والتذوق به، وتأثير القرآن الكريم على أسلوبه ملموس وبين، فإن القصة هي من أهم عناصر الأسلوب القرآني، لأن القصة هي أهم وسيلة للتفهيم والإقناع، فالإنسان مجبول على المحاكاة والاقتداء، ولم ترد القصص في القرآن الكريم للتسلية،أو لقضاء وقت الفراغ، بل لها غرض ديني، وتربوي، ولا تنفع القصة الصغار والناشئين فحسب، بل تساعد القصة على الفهم، وتحمل على الاقتداء بكبار السن أيضاً، وقد تكررت القصص في القرآن الكريم، وشغلت القصة بعض السور بكاملها[3].

          وقد اختار الشيخ الندوي القصة من خلال بحوثه، وأفكاره العلمية، كما اختار القصة بصورة مستقلة  للتربية والتعليم، ونقل الأفكار ، وفي هذا المجال ألف عدة كتب من أهمها “قصص النبيين للأطفال” والمقصود منها تعليم اللغة اللعربية، وغرس العقيدة الإسلامية في ذهن الطفل الصغير، وقد نبتت في ذهنه هذه الفكرة عندما رأى ابن أخيه يقرأ قصص الحيوانات، ككتاب “حكايات للأطفال” للأستاذ كامل الكيلاني المصري، التي تبدأ بقصة دجاجة صغيرة حمراء، وفاطمة التي لعبت بالكبريت، وفيها صور للحوانات، فثارت فيه الغيرة، فألف كتاب “قصص النبيين للأطفال” واختار فيه نفس الأسلوب الشيق، الذي فيه تكرار للألفاظ، ورعاية لمعرفة الطفل للألفاظ التدريجية، وكذالك تدرجه في معرفة الصيغ كالماضي، والمضارع، والأمر، والنهي، وحرف العلة، باعتبار سنه ودراسته، والمبتدأ والخبر، والموصوف والصفة، ثم يتدرج إلى الجزء الثاني والثالث والرابع والخامس، وفي كل قصة تصوير للواقع، وتشخيص للمعاني، ومواد للتربية الإسلامية، فالطالب الصغير يتعلم اللغة، وقواعد اللغة، والعقائد وملامح التاريخ الإسلامي، ونماذج السلوك البشري بأسلوب يليق به.

وكتب الأستاذ سيد قطب في كلمة تقديم لكتاب “قصص النبيين:

          ولقد قرأت الكثير من كتب الأطفال بما في ذالك قصص النبيين عليهم الصلاة والسلام، وشاركت في تأليف مجموعة “القصص الديني للأطفال” في مصر مأخوذاً كذالك من القرآن الكريم، ولكني أشهد في غير مجاملة، أن عمل السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي في هذه القصة التي بين يديّ جاء أكمل من هذا كله، وذالك بما احتوى من توجيهات دقيقة، وإيضاحات كاشفة لمرامي القصة، وحوادثها ومواقفها، ومن تعليقات داخلة في ثنايا القصة، ولكنها توحي بحقائق إيمانية ذات خطر، حتى تستقر في قلوب الصغار أو الكبار”.

          وفي كتابه الثاني “القراءة الراشدة” الذي ألفه ليحل محل كتاب “القراءة الرشيدة” المصرية، قصص كثيرة مأخوذة من واقع الحياة، ومن التاريخ، فمن واقع الحياة “قصة صيد”، ومن التاريخ “المنارة تتحدث”.

          والكتاب الثالث هو “إذا هبت ريح الإيمان” وهذا الكتاب  ألف بأسلوب يليق بالصغار والكبار، لأن أسلوب الكتاب سهل سائغ، ولفظ مألوف، ومعنى مفهوم، وتصوير للحياة العامة، وتعبير عن المشاعر البشرية، وهو أيضاً كتاب قصة، وهو في المقررات الدراسية في ندوة العلماء، وهو أنفع من “العبرات” و”النظرات” للمنفلوطي، لأن قصص هذا الكتاب تعرض البيئة الهندية التي يعيش فيها النائشون، وتحصل للطلاب الثروة اللغوية من واقع الحياة، ومن شعب الحياة المعاصرة، وفيها دعوة إلى الكفاح لإقرار الحق والتضحية في سبيله.

          والكتاب الرابع الذي يشمل على القصص وهي خاصة للناشئين والشباب كتاب “قصص من التاريخ الإسلامي” يقول سماحته في مقدمة كتابه: “لقد اتفق علماء التربية وعلماء النفس على أن الحكايات الخفيفة الشائعة الموجهة الهادفة من أقوى وسائل التربية والصياغة الخلقية والمبدئية والدينية والإيمانية إذا كانت متصلة بأقطاب الإيمان واليقين والديانات والرسالات، وإذا كانت هذه القصص والحكايات على مستوى عقول الأحداث والأطفال وفي اللغة التي يفهمونها بسهولة، ويسيغونها ويتذوقونها، كانت مدرسة للأطفال يتعلمون فيها المبادئ، والأخلاق الفاضلة، والدوافع النبيلة، والمشاعر الكريمة، الرقيقة، ومن غير أن يثقل عليهم، ومن غير سآمة وملل، ولا أبلغ ولا أصدق من قول الله تعالى في كتابه العزيز. (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب[4]).

          ويقول في مفتتح سورة يوسف. (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن[5]). ولذالك عنيت أكثر اللغات والديانات والبيئات والمعنيون بتربية الأطفال وإنشاء الجيل الجديد على الأخلاق الفاضلة وخلال المروءة، والفتوة، والإيثار، والتضحية، والرجولة، والبطولة، والبسالة، بجمع حكايات شائعة معتبرة تلائم سن الأطفال وعقليتهم، ومدى قدرتهم على الوعي والتذوق”.

          وبهذه القطعة المقتبسة من مقدمة كتابه “قصص من التاريخ الإسلامي” يتضح هدف سماحة الشيخ الندوي من الملحوء إلى القصة وإدراك دورها في تربية الأطفال والناشئين، وأسلوب القصة الذي اختاره، ويعرف أن هدفه أوسع وأرحب من هدف الكتاب الآخرين في أدب الأطفال، فإن معظم يرمي إلى التسلية المجردة، أو تعليم بعض التصورات والأفكار المحدودة، وقصة أبي الحسن الندوي تجمع بين الغرض الفني والغرض الديني والتربوي، والعلمي في وقت واحد، وهو كاتب للأطفال أيضاً وللكبار، وله براعة في تصوير المأساة وتصوير الأفراح والسعادة، وقلما يوجد مثل هذا الجمع في الإنتاجات الأدبية القصصية الأخرى، وخير دليل على سعة آفاق قصصه، أن الشيخ عبد الماجد الندوي صرح أن كتابه قصص النبيين للأطفال علم كلام جديد يستسيغه ذهن الأطفال فضلاً عن تعليم اللغة والأدب.

          وبهذا الاعتبار كان سماحة الشيخ الندوي رائداً للأدب الإسلامي للأطفال ومنشئاً لمدرسة جديدة في القصة بالإضافة إلى بحوثه وأفكاره، وإسهاماته العلمية للعقلاء والمثقفين الكبار وأصحاب الفكر الناضج، وأدبه أدب طبيعي خالص فيه إبداع وابتكار، وتوليد المعاني، وتحليل الوقائع، وفتح للأذهان، ودعوة إلى التفكير، والتدبر، وهو أول كاتب للأطفال في اللغة العربية في الهند، بهدف ومبدأ، وبتعبير سيد قطب الشهيد هو أنجح كاتب في القصة الإسلامية ليس في الهند فحسب بل في العالم الإسلامي. خصائص أسلوب الشيخ الندوي ومنهجه:

          يمثل الجمع بين الإيمان والعمل والعلم، الشيخ أبو الحسن الندوي الذي أحدث كتابه الأول “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” هزة في أوساط الفكر الإسلامي، وقد ركز على هذه النقطة بأسلوبه الممتع المؤثر الذي يحمل تأثير الأسلوب الوجداني،فيناشد القلب، وإقناع الأسلوب العلمي فيناشد الفكر والعقل، ويدعو الشيخ الندوي إلى الجمع بين الماضي والحاضر وبين القلب والعقل، فيقول وهو يذكر العالم العربي بما يحمل من أمانة، ومسئولية وبما يتمتع به من احترم وتقديس في نظر العالم كله لأنه مهبط الوحي ويذكره بعهد الانقسام والتناحر الذي كان يعيش فيه قبل البعثة المحمدية، فألف الرسول صلى الله عليه وسلم القبائل المتناحرة وحول الخامات البشرية إلى قوة يحسب لها حسابها.

وبإلقاء نظرة على كتابات سماحة الشيخ الندوي يمكننا أن ندرك خصائص أسلوبه الدعوي في مختلف مواضعه، ونقدر منهجه الفكري، ونعرف معالم الطريق الذي يرشد إليه، وهو أسلوب أخاذ، ومنهج عملي، ودراسة واقعية، وتعبير وجداني، وتصوير للواقع، وبيان مؤثر. وقد أنشأ الشيخ الندوي مدرسة فكرية وأدبية، يظهر طابعه في كتابات المتخرجين منها، وفي طليعة المتخرجين من هذه المدرسة الكاتب المرحوم محمد الحسني منشئ مجلة “البعث الإسلامي” التي كان لها دور طليعي في محاربة الفتن والنظريات والحركات الهدامة التي اجتاحت العالم العربي بصفة خاصة، كالقومية، والناصرية، والاشتراكية، والحضارة الغربية، فحارب هذه الاتجاهات الهدامة بقلمه السيال، الملهم بعاطفته الجياشة وأسلوبه الرشيق المتزن، فكانت له جولات تدك أو كار الهدامين، ونال الاعتراف والتقدير من الأدباء الإسلاميين، فلما صدرت مجموعة مقالاته “الإسلام الممتحن” قوبلت بترحيب بالغ. وقد نشأ بأقلام المتخرجين من ندوة العلماء اتجاه أدبي جديد، يتدفق بالشعور والعاطفة الإسلامية، وهو مدعم بالعلم الحديث والأسلوب العصري، ووضع هؤلاء الكتاب قواعد الصحافة الإسلامية العربية في الهند تتسم بالأسلوب الندوي الخاص، وكانت لها مساهمة كبيرة في توجيه الصحوة الإسلامية.

المراجع:

  1.  الندوي، أبو الحسن علي، ندوة العلماء لكناؤ، الهند، 1992م.  
  2. الندوي، أبو الحسن علي، الإسلام والمستشرقون، المجمع الإسلامي العلمي، لكناؤ، الهند، 1994م.
  3. 3.          الندوي، أبو الحسن علي، قصص من التاريخ الإسلامي، (للأطفال)، من منشورات رابطة الأدب الإسلامي العالمية، 1996م.
  4. 4.          الندوي، أبو الحسن علي، قصص النبيين، (للأطفال)، مؤسسة الصحافة والنشر، ندوة العلماء الهند، 1998م.
  5. الندوي، أبو الحسن علي، ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين، لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، 1951م.
  6. الندوي، معراج الدين، رائد الإختبار لنجاح الأبرار، مركز الثقافة الندوية سرينغر ، كشمير، 2011م.
  7. آزاد، أبو الكلام، لمحات من أدب العرب، إيجوكيشنل ببلشنغ هاوس دلهي الجديد، الهند، 2015م.
  8. حسن، محمد مهدي، تاريخ الأدب العربي (بطريقة سؤال وجواب)، روز  ورد بكس، دلهي الجديدة، الهند، 2012م.
  9. البعث الإسلامي، (ندوة العلماء لكناؤ، الهند)، العدد 10، رقم الصفحة 22، 2018م.  
  10. الرائد،  نصف الشهرية، (ندوة العلماء لكناؤ)، الهند،العدد 21، رقم الصفحة، 2016م.

[1] .  أبو الحسن علي الندوي، قصص النبيين، لكناو 1995م.

[2] .  الندوي، أبو الحسن علي، 1996م.

[3] . الشهيد، سيد قطب، لأهمية القصة في القرآن الكريم ودورها في الموعظة، يراجع كتاب التصوير الفني في القرآن.

[4] . القرآن، سورة يوسف، الآية: 111.

[5] . القرآن، سورة يوسف الآية: 2.