بهذا شهد الغربيون.. الفتوح الإسلامية انطلاقة حضارية

محمد إلهامي

بقلم محمد إلهامي

لقد تفنن المستشرق الإيطالي المعروف فرانشيسكو جابرييلي في وصف هذا حين قال: “بين تاريخ العرب المظلم قبل ظهور محمد، وبين توسعاتهم المثيرة للإعجاب، تقف حقيقة الإسلام العظيمة، بالعقيدة الجديدة”[1]، ويفصل هذا بقوله: “وُلد الإسلام في منطقة من أكثر مناطق العالم القديم بدائية وتخلفا، ولكنه سرعان ما تجاوز حدوده وتطور من ظاهرة محلية وعامل داخلي في حياة الأمة العربية إلى عقيدة كونية وقوة عالمية، وذلك في عملية لا يزال المؤرخون يختلفون حولها حتى اليوم. إنها بالنسبة لأولئك الذين يدرسون الديناميكية الغامضة لهذه العملية، لا تعد شرقية ولا غربية، كما لا يُمكن إعطاؤها أي تحديد جغرافي أو ثقافي. إنها فقط القوة العجيبة التي تشع من العقيدة الجديدة، ومن الدولة التي أقامتها هذه العقيدة، والتي نَمَتْ في كل اتجاه، وأنتجت حضارة موحدة إلى حد يدعو إلى الدهشة، وذلك رغم الاختلاف الشديد بين البيئات والمستويات الثقافية التي ازدهرت عليها”[2].

وبعبارة أحلى يردد إدوارد بروي هذا المعنى في قوله: “وانجلى غبار الفتح وصلصلة السلاح عن إمبراطورية جديدة ولا أوسع، وعن حضارة ولا أسطع، وعن مدنية ولا أروع، عوَّل عليها الغرب في تطوره الصاعد ورقيه البناء، بعد أن نفخ الإسلام في قسم موات من التراث الإنساني القديم روحا جديدة عادت معه إليه الحياة، فنبض وشعّ وسرى”[3].

ويفسر مؤلفا “التاريخ الكامل للعالم” هذا بأن غزوات العرب لم تكن مثل غزوات البرابرة الذين أرادوا دائما أن يكونوا صورة من المتفوقين عليهم حضاريا، يقولان: “لم يكن برابرة الشمال يمارسون إلا ديانات “ضعيفة”. وإن كانوا قد ساهموا في انتحار الإمبراطورية، فإن فكرتهم الوحيدة كانت تتمثل في أن يصيروا روما (أو صينيين في الشرق). أما العرب فكان لهم دين “قوي”… ولم يكونوا يريدون أن يصيروا روما، إنما أرادوا صنع عالم جديد. إذن فقد كان عملهم أدوم”، ويضيفان: “كان الفرسان المسلمون يبدون أنهم لا يُقهرون، كما أنهم لم يكونوا يجلبون معهم الفوضى وإنما نظاما جديدا”[4].

ولقد تكرر أن استعصت أمم على تغيير لغاتها وثقافتها وحضارتها على غزاتها من قبل ثم لم تلبث أن اعتنقت الإسلام فاستبدلت بذلك كله حضارة الإسلام ولغته العربية، يقول الفيلسوف والمستشرق الفرنسي جوستاف لوبون[5]: “ما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم، كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحهم، وفي سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم، التي رسخت وقاومت جميع الغارات، وبقيت قائمة حتى بعد تواري سلطان العرب عن مسرح العالم، ونعد من الواضح خاصة أمر مصر التي لم يوفق فاتحوها من الفرس والإغريق والرومان أن يقلبوا الحضارة الفرعونية القديمة فيها وأن يقيموا حضارتهم مقامها”[6].

مَثَلُ الفتوحات الإسلامية كاللمسة الساحرة التي تحيي الحضارات، هكذا قال مؤرخ الحضارة ول ديورانت: “استعادت مصر تحت حكم المسلمين مجدها الفرعوني؛ كما استعادت تونس ومرَّاكش بزعامة العرب ما كان لهما من حكومة منظمة؛ وازدهرت مدائن القيروان وبالرمو وفاس إلى حين، أما إسبانيا في عهد العرب فقد وصلت إلى الذروة في تاريخ الحضارة؛ ولما حكم المُغُل المسلمون بلاد الهند فيما بعد شادوا كما يشيد الجبابرة، وأبدعوا كما يبدع الصُيَّاغ”[7].

وحتى المناطق التي خرجت عن الدولة الإسلامية لا تزال آثار الإسلام فيها باقية شاهدة وإن تطاول العهد وتباعد الزمن، ولو أخذنا مثالا واحدا من الأندلس التي مضى على خروج الإسلام منها خمسة قرون فسنرى -كما يقول المستشرق الإسباني أميركو كاسترو[8]- أن “أغلب المتخصصين يعرفون أن صدى الإسلام ظل باقيا في الآثار التي خلفها في قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة، وكذلك العديد من المدن الأخرى قليلة الأهمية في هذا المقام، أما فيما يتعلق باللغة فهناك الآلاف من الألفاظ والمصطلحات العربية التي ما زال بعضها حيا، بينما عفا الزمان على بعضها الآخر، كما أن الأدب استلهم المصادر العربية، ووضح هذا الإلهام في قواعد الكهنوت، فمن خلال هذا الكتاب انتشرت في إسبانيا المسيحية وأوربا -ابتداء من القرن الثالث عشر- ثلاث وثلاثون حكاية ذات أصول مشرقية… وعندما نفكر في الشخصية الإسبانية لا يمكننا أن نباعد جانبا تسعة قرون من النسيج الاجتماعي الإسلامي المسيحي”[9].

الفتوحات الإسلامية إنما كانت خيرا للبلاد ورفعة للناس وإنقاذا لهم من ظلمات الجهل والتخلف والتعصب والهمجية، وإدخالا لهم في مرحلة أخرى من الحضارة الزاهرة.

ونختم هذا الإعجاز بمقولة المستشرق الفرنسي لويس سيديو[10]، حيث أراد تفسير الانطلاقة الحضارية التي صنعها المسلمون في البلاد التي نزلوها، فنقل عن هبمولد أن السر فيها هو التسامح الإسلامي، يقول همبولد: “والعرب كانوا ذوي نشاط منقطع النظير، وهذا النشاط هو آية دور ممتاز في تاريخ الدنيا، والعرب على عكس بني إسرائيل ذوي التعصب وعدم التسامح كانوا راغبين في مصاهرة الأمم المغلوبة من غير جحود بخُلُقهم القومي وذكريات وطنهم الأصلي”، وبعد أن أنهى دراسته التي استعرضت تاريخ العرب وحضارتهم قال فيما يشبه الخلاصة أن الحضارة الإسلامية لم تتوقف مع الانهيار السياسي العسكري للسلطة، وهو آية أن الانطلاقة الحضارية لم تكن فعل سلطة قاهرة بل طبيعة مجتمع ومنهج حياة، يقول:

“ما انفك المشرق يحترق منذ أوائل القرن الحادي عشر من الميلاد فأسفرت فتوح محمود الغزنوي، وغارة الأتراك السلجوقيين، والحروب الصليبية، وهدم السلطان الأيوبي الأول صلاح الدين لخلافة القاهرة (1171م)، وهدم الخان المغولي هولاكو لخلافة بغداد (1258) عن تغيير عميق في الوضع السياسي بآسيا. ما فتئ العلم يكون ثابت الخطوة مع ذلك، وما فتئ حَمَلَتُه محافظين على أمانته مع ذلك… فبينما كانت خلافة المشرق تفقد أجمل ولاياتها بالتتابع كان الغالبون يدينون بالطاعة لتفوق المغلوبين الثقافي؛ فيدرسون كتبهم ويستضيئون بنورهم… حقًّا إنه لمنظر رائع أن ترى انتصار سلطان حضارة العرب على همجية فاتحي الشمال أولئك الذين انقضوا على آسيا الغربية والجنوبية”[11].

هكذا ثبت، وبشهادة شاهد من أهلها، أن الفتوحات الإسلامية إنما كانت خيرا للبلاد ورفعة للناس وإنقاذا لهم من ظلمات الجهل والتخلف والتعصب والهمجية، وإدخالا لهم في مرحلة أخرى من الحضارة الزاهرة.

_______________________________________________________

المصادر:

[1] فرانشيسكو جابرييلي، محمد والفتوحات الإسلامية، تعريب وتقديم وتعليق: د. عبد الجبار ناجي، ط1 (بغداد: المركز الأكاديمي للأبحاث، 2011م)، ص179.

[2] فرانشيسكو جابرييلي، الإسلام في عالم البحر المتوسط، ضمن “تراث الإسلام” بإشراف: شاخت وبوزوروث 1/85.

[3] إدوارد بروي، القرون الوسطى، ضمن “تاريخ الحضارات العام” بإشراف: موريس كروزيه، 3/109.

[4] جان كلود بارو وغيوم بيغو، التاريخ الكامل للعالم، ترجمة: لحسن عيساني، (دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، بيروت: دار الفارابي، 2008)، ص91، 92، 94.

[5] جوستاف لوبون (1841 – 1921م) مستشرق وفيلسوف وعالم اجتماع فرنسي مشهور، وهو صاحب نظرية “القطيع” الشهيرة في علم الاجتماع، وله اهتمام واسع بالحضارات وكتب عن حضارة الهند وحضارة العرب، وأرخ للثورة الفرنسية، وعرف في العالم الإسلامي بكتابه “حضارة العرب” الذي كان من أوائل الدراسات الغربية المنصفة المتوسعة في العصر الحديث.

[6] جوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2000م)، ص605.

[7] ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: محمد بدران، (بيروت: دار الجيل، بدون تاريخ)، 13/261.

[8] أميركو كاسترو (1885 – 1972م)، من أبرز النقاد الإسبان ومن أبرز تلاميذ المستشرق الإسباني الكبير منديث بيدال، عمل بجامعات مدريد وبرنستون، وهو من المدرسة التي أنصفت التاريخ الإسلامي في إسبانيا، وينصب اهتمامه على اللغة والأدب والثقافة.

[9] أميركو كاسترو، إسبانيا في تاريخها: المسيحيون والمسلمون واليهود، ترجمة: علي إبراهيم منوفي، ط1 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2003م). ص63.

[10] لويس سيديو (1808 – 1875م)، مستشرق ومحقق، ولد وتوفي بباريس، وكان مدرسا للتاريخ في كلية بوربون، أشهر نشراته كتاب “جامع المبادئ والغايات في الآلات الفلكية” لأبي الحسن علي المراكشي، مع ترجمة فرنسية، وأشهر مؤلفاته “تاريخ العرب العام”.

[11] لويس سيديو، تاريخ العرب العام، ترجمة: عادل زعيتر، ط2 (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1969م)، ص332، 352، 353.