حجية السنة في أمور الدنيا

بقلم عبد الرحيم بيوم

كاتب وباحث

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى صحبه وآله ومن والاه.
أما بعد:

ما تعيشه الأمة اليوم من هوان على جميع الأصعدة ألح بسؤال يحتاج للإجابة. ما سبب ذاك الهوان؟ وما السبل الكفيلة لبث النهضة واللحاق بركب (الحضارة) الغربية؟ في غياب تام عن تفكيك التقدم الغربي وفهم بواعثه الفكرية ومقوماته الذاتية ومقاصده وأهدافه ثم إعادة بناء تصور واضح لمواطن اللقاء والافتراق في ظل إطار مفاهيم الإسلام الكونية. والتمييز بين الأفكار والآليات والعقائد. فكان من غياب ذلك أن زحف تيار التغريب بكل حمولته عبر وسائل عدة عسكرية وفكرية. من أبرزها مفهوم العالمانية وما يحمله من دعوة ترمي بوزر التخلف على الدين وأن التقدم للأمام يلازمه عزل الدين عن مناحي الحياة العامة ومحاصرته داخل الإطار الفردي التعبدي المحض الذي لا يلامس تفاصيل الحياة.

ولئن كانت العالمانية قد حققت نجاحا وحضورا وسيادة في ظل وجود المسيحية التي خضعت لها لأسباب كثيرة ذاتية وخارجية ليس هذا مقام بيانها، فإن الإسلام بمكوناته عصي عن ذلك. إذ يتناول بمصدريه الرئيسيين – الكتاب والسنة – جميع مناحي الحياة إما بتفصيل لجزئياتها أو بتأطير لغيرها. مع تقعيد وتأصيل لضبط الفهم والاستنباط والتنزيل لأحكامه ونصوصه. فكانت أول معاول يحركها تيار العالمانية العربية لهدم الإسلام وتطويعه للوافد الجديد وإفراغه من محتواه ومضمونه هو عزل أحكامه عن شؤون الحياة وحصره في زوايا محدودة لا يكون لها أدنى تأثير في السياق العام.

فراموا إلى الحديث بالطعن في ثبوته وأصول نقله وعلومه ورواته أو التشكيك في مصادره أو في انضباط الفهم منه والاستنباط. ومن أكبر الشبهات في ذلك التي روجوا لها كثيرا الادعاء بعدم شمولية السنة النبوية للأمور الدنيوية وأن ما صدر من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الدنيا ليس من الوحي ولا يدخل تحت مسمى التشريع. فنزعوا عن السنة بذلك في أبواب كثيرة جدا لزومية الاتباع والطاعة. واستندوا على إثبات ادعائهم بعدة أدلة متخذين في ذلك منهج الانتقاء من مجموع الأدلة أو استقطاع ما يدعم توجههم من سياقها كما سيتبين لاحقا. وهو منهج يدل بجلاء على طوية غير سديدة وعن غياب تام للموضوعية وابتغاء الحق والصواب.

ومن أمثلة انتقائهم للأدلة واستقطاعهم لها من سياقها استدلالهم بما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عائشة وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح» قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»[1]. قال أحمد شاكر رحمه الله: “وهذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر وصنائع أوربا فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلا يحِجُّون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام، في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها، يزعمون أن هذه من شؤون الدنيا، يتمسكون برواية أنس: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”[2]. بل ذهب أبو رية إلى أن “كلامه صلاة الله عليه في الأمور الدنيوية … من الآراء المحضة، ويسميه العلماء أمر إرشاد أي إن أمره صلى الله عليه وسلم في أي شيء من أمور الدنيا يسمى إرشادا وهو يقابل أمر التكليف … لأنه لا يقصد به القربة ولا فيه معنى التعبد”[3]. فجعل كل حديث وارد في أمر دنيوي هو أمر إرشاد لا يلزم منه اتباع. وهو الذي لم يقل به عالم من علماء الإسلام. وهو منهج هدام يروم تقويض السنة وحصر دلالاتها. ويتبين انحرافه عن الجادة بتناول موقفهم هذا عبر ثلاث محطات من خلال حديث تأبير النخل المذكور لأنه أصل استدلالهم وعليه يقاس غيره:

ــ المحطة الأولى من حيث الدليل:

حديث تأبير النخل حديث صحيح ثابت رواه مسلم وغيره وساق له رحمه الله في صحيحه ثلاث روايات وهي:

1ـ من حديث طلحة رضي الله عنه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أظن يغني ذلك شيئا» قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل»[4].

2ـ من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، قال: قدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يأبرون النخل، يقولون يلقحون النخل، فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنا نصنعه، قال: «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا» فتركوه، فنفضت أو فنقصت، قال فذكروا ذلك له فقال: «إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر»[5].

3ـ من حديث عائشة وأنس رضي الله عنهما وقد مرت.

ويفيد جمع روايات حادثة تأبير النخل في صعيد واحد في ضبط منهجية الاستدلال ويتبين ذلك بالمحطة التالية:

ــ المحطة الثانية من حيث الاستدلال:

الناظر لسياق حديث تأبير النخل ورواياته يتبين له بُعد الحديث عما يراد الاستدلال به له فلا تلازم بين الدليل والمدلول المراد استنباطه وحمل الحديث عليه. بل إن روايات الحديث تحمل في طياتها ما يضاد مرادهم من إخراج أمر الدنيا عن شمولية السنة النبوية. فلفظ حديث طلحة «ما أظن يغني ذلك شيئا … فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن» ولفظ حديث رافع «لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا … إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر» يدلان على بيان الأمر الدنيوي الذي لا يدخل تحت التشريع من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما كان من قبيل الرأي لا كل ما ورد في أمر الدنيا. فـ”الظن ولعل” لا تكون في مقام الوحي والتشريع. فهو لم يرد التشريع أساسا فلم “ينههم عن التلقيح لكن هم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم”[6]. قال القاضي عياض رحمه الله ” وقول النبي هاهنا للأنصار في النخل ليس على وجه الخبر الذى يدخله الصدق والكذب فينزه النبي عن الخلف فيه، وإنما كان على طريق الرأي منه؛ ولذلك قال لهم: إنما ظننت ظنًا، وأنتم أعلم بأمر دنياكم”[7]. قال أحمد شاكر رحمه الله “الحديث واضح صريح، لا يعارض نصَاً، ولا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل شأن، لأن رسول الله لا ينطق عن الهوى، فكل ما جاء عنه فهو شرع وتشريع (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم “ما أظن ذلك يغني شيئاً” فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله، ولم يسن في ذلك سنة، حتى يُتوسع في هذا المعنى إلى ما يُهدم به أصل التشريع، بل ظن، ثم اعتذر عن ظنه، قال “فلا تؤاخذوني بالظن”، فأين هذا مما يرمي إليه أولئك؟”[8]. فسقط بذلك محاولتهم التأصيل بهذا الحديث لجعل السنة الواردة في أمر الدنيا خارجة عن التشريع بإطلاق.

ــ المحطة الثالثة من حيث النتيجة:

أما بالنسبة للنتيجة والمحصلة التي يدعون ويستدلون لها من فكرة التقسيم بين أمر الدين والدنيا من حيث التشريع فتقسيم يتسم بالضبابية. ويطرح تساؤلا جوهريا: ما المقصود بأمور الدنيا؟! فلا يوجد لديهم ضابط مطرد بل يتوسع مفهوم أمور الدنيا حسب أهوائهم المختلفة إلى أن يحتوي كل شيء، فيزيل بذلك عن الدين منهجه لضبط الحياة.

وهي دعوى تعارض نصوص الوحي المتضافرة وعمل الصحابة والعلماء على مر تاريخ الفقه كله التي جعلت الأصل في السنة الوحي والتشريع، فحكّمتها في جميع شؤون الحياة إلا ما دلت القرينة على استثنائه وهو أمر محل إجماع لا خلاف فيه. “فأمور الدنيا خاضعة لأحكام الشرع، وقد أمر الله تعالى بطاعة رسوله وحذر من المخالفة عن أمره، فأمره صلى الله عليه وسلم بشيء دليل قام على وجوبه، إلا أن يقوم دليل يصرف الأمر عن الوجوب إلى غيره”[9]. فقط أمر الله بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم في غير ما آية من كتابه بل نص سبحانه وأقسم على أنه “مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)” (النجم: 4]. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ” اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق”[10]. ودل عمل الصحابة على هذا الأصل ومنه حديث التأبير نفسه فلو لم تكن سنته لازمة لأمور الدنيا لما اتبعوا كلامه صلى الله عليه وسلم وتركوا ما ألفوه وخبروه. ولما كان تنبيه النبي لهم إلى جزئية أنه مجرد ظن منه لا غير.

فنستخلص من جميع ما سبق أن دعوى تقسيم السنة إلى سنة متعلقة بالدين فهي وحي وتشريع، وسنة متعلقة بالدنيا فهي خارجة عن التشريع ولزوم الاتباع. ليست دعوى نابعة من تأصيل شرعي مدلل منضبط بقدر ما هي نتاج لضغط التغريب واستعلائه فكريا على الفئة المتأثرة بأطروحاته. وأن أصل الاشكال ودافعه محاولة التلفيق بين الوحي والقيم العالمانية واللبرالية الوافدة مما يحتم هدر النصوص وتفريغها من مضامينها، والاتكاء في ذلك على نصوص هنا وهناك وانتزاع دلالتها المحكمة إلى ما يوافق توجهاتهم لأجل إلباس المفاهيم الغربية لباسا دينيا يشتبه على العامة من المسلمين.

الكاتب: عبد الرحيم بيوم ـــــ المغرب
البريد الالكتروني: [email protected]


[1] صحيح مسلم (ح2363)

[2] مسند أحمد (2/ 177 ت أحمد شاكر)

[3] أضواء على السنة المحمدية. محمود أبو رية (ص15)

[4] صحيح مسلم (ح2361)

[5] صحيح مسلم (ح2362)

[6] مجموع الفتاوى (18/ 12)

[7] إكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 334)

[8] مسند أحمد (2/ 177 ت أحمد شاكر)

[9] الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة. للمعلمي اليماني (ص28)

[10] مسند أحمد (11/57/ ح6510 ط الرسالة) سنن أبي داود (5/489/ح3646) صححه أحمد شاكر والأرنؤوط.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp