سقوط الأندلس.. جرح سينزف إلى حين

بقلم الكاتبة هناء لهميص

هل حرْصُنا على معرفة تاريخ الأندلس التي سقطت قبل خمسة قرون تقريبا هو تمجيد لتاريخ عريق وحضارة شامخة أنارت ظلمات أوروبا لثمانية قرون؟ أم أننا نسعى لدراسة تاريخنا لنعتبر من زلات أجدادنا وحكمتهم في فترات الضعف والقوة؟ أم أن الاطلاع على التاريخ هو فقط بكاء على الحليب المسكوب؟

هل كان سقوط الأندلس حقا كارثة حقيقية في تاريخنا؟ أم أنه مجرد نقطة سوداء في التاريخ الاسلامي؟ هل السقوط كان نتيجة حتمية بعد طول سطوع؟ أم أن تخاذل مسلمي الأندلس ومسلمي المغرب والمشرق هو السبب في أفول شمس الاسلام في أوروبا؟ أم هي فقط تَحقُّق سنة الله في أرضه التي تقتضي السطوع والأفول لحضارات عريقة وقوية كانت مؤمنة أم كافرة؟

ألم يحن الوقت لنستيقظ من غفلتنا فنتَعلّم ونُعلّم أبناءنا أن الإسلام الحق أينما حل وارتحل يحل معه السلام والعدل والتسامح والتعايش؟ ألم يحن الوقت لنفض الغبار عن صفحات التاريخ المنسي

هل شبابنا أبناءنا اليوم يعرفون عن تلك الحضارة التي أنارت ظلمات أوربا؟ أم أنهم فقط يعرفون فرقتي الريال مدريد وبرشلونة في اسبانيا؟ هل حقا ما يربطنا بالأندلس هو فقط ما يسمى اليوم بالطرب الأندلسي في المغرب وشمال افريقيا؟ ماذا يعرف شبابنا وأبناءنا عن سقوط غرناطة اخر معاقل الأندلس في أوروبا؟ وهل يشعرون بالأسف على ما حل بالمسلمين حينها؟ ماذا يعرفون عن محاكم التفتيش والمجازر التي أقيمت لقتل وتعذيب الأبرياء فقط لأنهم ليسوا بنصارى ومختلفين في العقيدة؟ وهل يعلم شبابنا وأبناءنا اليوم عن كمّ الحقد والغل الذي حَمله النصارى اتجاه الإسلام والمسلمين؟

ألم يحن الوقت لنصِل الرّحم مع أندلسِنا ولو على صفحات التاريخ المنسي فنتذكر عظمة الاسلام الذي إذا ما تم تطبيقه بما يرضي الله سطع نوره في العالم أجمع؟ ألم يحن الوقت لنعتبر من ذلك السقوط المفجع فنتشبث بقضايانا وأراضينا المحتلة اليوم؟ هل تخلينا عن تعاليم ديننا وسعينا وراء حياة مادية فانية هو ما جعلنا اليوم في هذا التخلف والانحطاط؟ أم أننا مجرد أحجار على رقعة شطرنج تحركها قوى خفية تريد تدميرنا؟

ألم يحن الوقت لنستيقظ من غفلتنا فنتَعلّم ونُعلّم أبناءنا أن الإسلام الحق أينما حل وارتحل يحل معه السلام والعدل والتسامح والتعايش؟ ألم يحن الوقت لنفض الغبار عن صفحات التاريخ المنسي والتعلم من شموخ وزلات أجدادنا؟ ألم يحن الوقت لنتعلم ونُعلّم أبناءنا أن سكان اسبانيا والبرتغال الأصليين عندما اعتنقوا الإسلام طوعا صنعوا حضارة يأبى التاريخ أن ينساها؟ ألم يحن الوقت لنستيقظ ونُعلّم أبناءنا أن معنى التسامح والتعايش لا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع ديننا وثقافتنا؟

متى سنستيقظ من غفلتنا فنواجه الرأسمالية المتوحشة التي صنعت أسواق رقيق حديثة تستعبدنا فيها كما تشاء؟ متى سنستوعب ونُعلّم أبناءنا أن ذاكرتنا وعقولنا مستهدفة لتعبئة جيوش لا متناهية من المستهلكين الذين لا يهمهم إلا إرضاء نزواتهم ورغباتهم، غارقين في مادية غافلة تماما عن الله تعالى؟ متى سننتفض ونحمي ذاكرتنا من الغزو في عالم لا يقبل إلا منطق التدافع، فإذا تخليت عن ذاكرتي سيأتي من يُعبئها بما يريد وبالكيف الذي يريد؟

يُقال إن النسيان طبيعة بشرية، ولكن كيف ننسى قرطبة جوهرة العالم وجامعها الكبير التي أغدقت على العالم أجمع من خيرها وعِلْمها؟ كيف ننسى مدينة الزهراء التي أنجبت علماء في الطب والفلك والأحياء وغيرهم؟ كيف ننسى ما حصل للمسلمين بعد سقوط الأندلس؟ ها هي أراضينا اليوم متمزقة هنا وهناك وها نحن نعيش محاكم تفتيش بصور متعددة، ونراها كل يوم تستهدف المسلمين المستضعفين لتُبيدهم وتستولي على اراضيهم في مشارق الأرض ومغاربها فأين نحن من هذا؟ وهل ننكر الباطل الواقع على المسلمين ولو بقلوبنا؟ أم أن قضايا أمتنا اليوم منسية لا نكترث لها وهي على البث الحي فما بالنا عندما تصبح جزءا من الماضي هل سنتذكرها ويتذكرها أبناءنا؟

كل الآباء اليوم يهرولون لحماية مستقبل أبناءهم، لكن هل فكروا في حماية عقيدتهم وذاكرتهم وعقولهم؟ هل فكروا في حماية مستقبل أبناءهم هناك يوم الحساب؟ أم أن حماية المستقبل تقتصر فقط على توفير تعليم جيد (هندسة أوطب) ووظيفة جيدة وتعلم اللغات والانفتاح على الثقافات الأخرى وبالمقابل الانغلاق على ثقافتهم الأم –فأنا لست ضد الانفتاح على الثقافات الأخرى-و التنكر لها؟ أما أنا فلا أريد أن أنسى ولا أريد للجرح أن يشفى فكلما نزف تذكرت أن الأندلس هي أرضنا التي ضاعت منا قبل قرون وأيقنت أن كل أراضينا المحتلة اليوم ان لم تُسترجع قد يصبح مصيرها كمصير الأندلس ضائعة ومنسية.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp