النسوية الإسلامية: التنوع والتعقد والمستقبل لـ أم الفائزة

فيلابوراتو عبد الكبير

في عام 2004 حين قامت الأكاديمية مارجو بدران بجولة في كيرالا لإلقاء سلسلة من المحاضرات حول النسوية الإسلامية أثارت تلك الجولة جدلا واسعا بين المسلمين. كان ذلك في الوقت الذي انخرطت فيه الإدارة الأمريكية تحت رئاسة جورج بوش الإبن في مشروعات للتواصل مع المجتمعات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، وكانت زيارتها على مطية الملحق الثقافي في السفارة الأمريكية في نيو دلهي، فطبعا ثارت ثائرة أكبر شريحة من مسلمي كيرالا ضد برامج محاضراتها التي انعقدت في مدن مختلفة. ولم يعر أحد اهتماما لوزنها الأكاديمي في دراسة نهضة المرأة المسلمة في بلدان العرب. تلك كانت المرة الأولي التي تناقلت فيها وسائل الإعلام في كيرالا موضوع الحركة النسوية الإسلامية. ثم صدرت ترجمة كتاب آمنة ودود Quran and Woman نشرها نفس “اوتير بوكس” الذي نشر كتاب أم الفائزة الذي نعرضه الآن. وتلتها ترجمة كتابين لفاطمة المرنيسي The Veil and the Mail Elite, Dreams of Trespass ومقال لهذا الكاتب الذي يُعرِّف الحركة النسوية الإسلامية في صورة مُجملة. ولكن الفضل في تأليف كتاب شامل وجامع في اللغة المالايالامية حول موضوع النسوية الإسلامية يعود إلى أم الفائزة، الباحثة في جامعة جوهر لال نهرو في دلهي. ولها حضور قوي في المناقشات التي تدور حول قضايا المرأة في كيرالا. تحاول الكاتبة من خلال هذا الكتاب لتسليط الضوء على التيارات المختلفة داخل الحركة النسوية الإسلامية وطبائع رؤاها المتنوعة التي تتبناها رائدات هذه الحركة مع خلفية نشأتها التاريخية دون انحياز إلى أي جهة خاصة. يتألف الكتاب من الفصول التالية: الإسلام والنسوية: التصادم والتوافق، القراءة النسوية للنص القرأني، القانون الإسلامي والنسوية الإسلامية، النسوية الإسلامية والتصوف، النسوية الإسلامية ومرحلة ما بعد الكولونوليا.

النسوية الإسلامية مصطلح جديد قريب العهد طوّرته مجموعة من الناشطات يهتممن بإعادة قراءة النصوص بغية إيجاد تأويل ديني يدعم وجهة نظرهن النسوية. هن يهدفن بهذا إلى التميُّز عن النسويات العلمانية اللاتي يستبعدن نظرهن عن أي شكل من المرجعية الدينية. ولكن إذا بحثنا عن جذور الحركة النسوية الإسلامية نجدها في نضال رجال مثل ما نجد جذور حركة تحرير المرأة في أعمال رجال مصلحين مثل “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة” لقاسم أمين، ومجلدات “تحرير المرأة في عهد الرسالة” لعبد الحليم أبو شقة. وترى الباحثة اللبنانية دلال البزري جذورها في جهاد “الجندر”(النوع الاجتماعي) الذي قاده الشيخ رشيد عمر رفيق نيلسون مانديلا في درب نضاله ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا. وكان جهاد الجندر جزءا من حركة المسجد تحت قيادة الشيخ رشيد التي شاركت مع حركة مانديلا ضد نظام البيض. وحركة المسجد التي تمثل الإسلام التقدمي كانت قد ساهمت في نضال مانديلا كما ناضلت لحقوق المراة في آن معا. وليس صحيحا كما يُعتقدعموما أن آمنة ودود هي التي أمّت الرجال والنساء في صلاة الجمعة أول مرة. إنما هي كانت شميمة الشيخ في جنوب أفريقيا، ولم تُدْرس مداخلات شميمة قدر ما تستحق في قضايا المرأة كما تشير إليها أم الفائزة في هذا الكتاب.

وفي نفس تلك الحقبة استقوت النسوية الإسلامية في الدول الإسلامية أيضا. وفي تركيا صدر عام 1991 كتاب نيلوفر جول بعنوان “الحداثة الممنوعة”. وفي عام 1992 صدرت في إيران مجلة “زنان” (المرأة) التي تحمل رسالة النسوية الإسلامية كما لمعت أسماء كاتبات إيرانيات مثل زيبا مير حسيني وأفسانة نجم آبادي. وفي عام 1996 أصدرت الكاتبة السعودية مي يماني كتابها “النسوية والإسلام”.

 وتقول أم الفائزة إن الدراسات التي جرت بعد عام 1980 هي التي اهتمت بها أساسا لتناول موضوع كتابها، لأن النقاش حول النسوية الإسلامية كان  لم يتطور إطاره قبل هذه الفترة قدر ما تطور الآن ولو أن المرأة المسلمة كانت لها دور ملموس في الحقول السياسية والاجتماعية في تلك الفترة أيضا. وتقصد بهذا الكتاب الكشف عن الخصائص المنهجية للرؤى النسوية الإسلامية، فلا تخوض في تفاصيل سيرة حياة رائدات تلك الحركة ولا في تحليل شامل لما ورد في كتبهن، بل تقتصر في تزويد القراء من جميع الفئات بتصور عام عنها مع التركيز على طبيعتها التنوعية والتعقدية والتناقضية. تبدأ الكاتبة الفصل الأول من الكتاب بذكر المرحلة التي إفتتحت فيها النسوية حوارها مع الأديان بعد الثمانينات بعيدة عن تزمُّت العلمانية المتطرفة. وتفحص في هذا الفصل كم عنصرا من الإسلام يوجد في مصطلح “النسوية الإسلامية” كما تفحص كم عنصرا من النسوية يوجد في الإسلام. وتحاول فيه لإلقاء الضوء على خلفية مفهوم النسوية النظرية. ثمة إختلاف بين الناشطات المسلمات في استعمال مصطلح النسوية الإسلامية. تقول أم الفائزة إننا إذا فحصنا كتاب مارجو بدران Feminism in Islam نجد أن بدران هي التي عمّمت هذا المصطلح في التسعينات على هذا القدر. وقد انتُقِدَتْ بدران لميولها إلى سياسة أمريكا الخارجية ولمساهمتها في تصنيع “المسلم الصالح” في البوتقة الأمريكية. لذا، تقول المؤلفة، إن آمنة ودود لا تستعمل هذا المصطلح إلا بغاية الحذر. تأبى حتى هذا الوقت الناشطة أسماء برلاس استعمال هذا المصطلح، لأنها تراه مصنوعا من قبل النسوية الغربية مثل مارجو بدران ومريم كوك. أما زينة كوثر فترى أن الإسلام لا مكان فيه لـ “ابيستومولوجيا” مثل النسوية، لأنها في رأيها تتناقض مع روح الإسلام وأن تحرير المرأة إنما يتحقق من خلال الكتاب والسنة وأن مثل هذه التسمية قد تُعرقل تقدمَ المرأة المسلمة. ولكن فاطمة سِيدات تشير إلى أن في هذا الموقف تجاهل عما حققت البحوث والدراسات النسوية من الإنجازات وأن كوثر تأبى أن ترى وجهات النظر المختلفة في قبولية النسوية في أنحاء العالم. وثمة كاتبات مثل ميرسيا هيرمانسين (Hermansen)  وعدنان أصلان وألِف مديني اللاتي يستعملن مصطلح علم اللاهوت المسلمة بدلا من مصطلح النسوية الإسلامية. وفي الممارسة أيضا نرى أن بعضهن يختلفن عن بعض، لأن آمنة ودود نراها ترتدي سكارف بينما فاطمة المرنيسي تقوم بهجوم شديد على ارتدائه.

وفي الفصل الثاني تحت عنوان “النسوية الإسلامية والقراءة النسوية لنصوص القرآن” تأتي الكاتبة بنماذج من تلك القراءات التي قامت بها آمنة ودود ورفعت حسن وعزيزة الحبري وفاطمة المرنيسي وكيشيا علي وأسماء برلاس وأسماء المرابط وغيرها. وهؤلاء الكاتبات لم يكتبن تفسيرا كاملا للقرآن مثل ما قام به يوسف علي والمودودي في العصر الحديث ولا تفسيرا جزئيا مثل ما قامت به بنت الشاطئ أوزينب الغزالي، بل يخترن فقرات من القرآن ذات صلة بالنساء ويحاولن أن يكشفن عن طبيعة سياسية الجندر التي يقدمها القرآن من خلالها. ولهذا الفصل أربعة أجزاء، الجزء الأول يبحث عن الخلفية العامة للقراءة النسوية في العصر الحديث ويفحص الظروف التي تنبعث منها تلك القراءات. ولكل واحد منهن طريقة خاصة لقراءتهن، فمثلا تقرأ فاطمة المرنيسي آية الحجاب في سورة النور على ضوء الأحاديث النبوية وهي تعتمد رئيسيا على شرح البخاري فتح الباري للعسقلاني. أما آمنة ودود ومن يحذن حذوها فيقرأن الآي القرآنية في سياقها التاريخي ويؤكدن بأن لا تُقرأ بمعزل من ذلك السياق. وتدّعي اسماء برلاس أن هذه القراءة تفتح آفاق الإمكانية لقراءة القرآن وفقا للظروف المتغيرة، تُقسِّمها برلاس ما تُخاطِب العرب في القرن السابع وما تنطبق على جميع الناس في كل زمان ومكان. فيمكننا، حسب قولها، إعادة قراءتها حسب الظروف الطارئة. وفي الجزء الثاني نجد تأثير طريقة هذه القراءة وتطورها في قراءة أسماء المرابط التفككية. ونموذجا لذلك تقدم المؤلفة موقف أسماء الذي يرفض التعميم في قراءة الآية “إن كيدكن عظيم” في سورة يوسف لأنها تراها كلام العزيز ليس كلام الله مباشرة. وهنا تنقل المؤلفة الطريق الثالث الذي تقدمه الناشطة المغربية أسماء المرابط في كتابها الإسلام والمرأة. تدّعي المرابط  انّ هذا الطريق يختلف عن الطريق التقليدي المحافظ الذي يقرأ النصوص حرفيا كما يختلف عن الطريق النسوي الغربي العلماني الذي يرفضها بتاتا. فتصف قراءتها قراءة مقاصدية متحررة من هيمنة الثقافة الكولونولية ومتمسكة بهويتها الثقافية الإسلامية. توجد في هذه القراءة، تقول ألمرابط، حداثة تربط التصورات الأخلاقية الإنسانية العالمية بمَثل الإنسانية العليا في الإسلام. هكذا تقرأ المرابط حكاية التكوين، وكلمة النفس في آية “وخلق منها زوجها”، والنساء المذكورات في القرآن وما يتعلق بالجندر فيه. ولا تخوض المؤلفة في هذا الجزء في تفاصيل موقف المرابط الذي يرفض “التعصيبَ” والتمِّيزَ في قانون الميراث مما جعلها مضطرة للاستقالة من منصب رئاسة مركز الدراسات النسوية ومغادرتها المغرب. وفي إحدى المقابلات الصحفية قد استعدّت أسماء المرابط أن تعترف بأنه ما دامت العلة التي تقال في آية “للذكر مثل حظ الأنثيين” موجودة فلا مانع منه، لأن الأخ هنا مسؤول ماديا عن أخته، فذلك عادل رغم عدم التساوي ما دام يتكفل بها، ولكن تَطرح السؤال أين يُطبَّق هذا الآن؟ وتقول إن مشكلتنا اليوم أن علماءنا لا يحتكمون إلى الواقع، بل يظلّون لصيقين بالنص الحرفي، ولا يعترفون بحقيقة أن المجتمع  قد تغير، وأن النساء أصبحنَ يشاركنَ بشكل كبير في التدبير الأسري؛ تسأل: “فمن يتكفّلُ اليومَ بأخته؟ إنهم يعلّلونَ ذلك بأنها ستتزوجُ. وحتى وإن تزوجتْ، فهي مطالبة اليوم، بحكم مدونة الأسرة والإكراهات السوسيو- اجتماعية، المشاركة في مصاريف البيت مع زوجها، فهي إذن شأنها شأن أخيها الذي سيتزوج أيضا. كل ما في الأمر، أننا مع تطبيق الآية بمفهومها المقاصدي، ومن استطاع التكفل بأخته فذلك أمر جيد، وإن لم يستطع، فليُعطها حقّها. هذا ما قلته بالأساس، وهو ليس خارجاً عن السياق القرآني، ولا الفقهي ولا التعليلي”. المرابط هنا لا تُفكِّر أنه في حالة التقنين لا ينظر المُقنِّن إلى من يتكفل بأحتها ومن لا يتكفلها ولكن يُعمِّم القانون على الجميع سويا. ومشكلة المرابط أنها تحاول أن تَضع نظام الأسرة وتصوره في الإسلام في نظام مغاير له فتضطر لتقطع القدم حسب مقاس النعل. وهنا يَجدر الذكر أن من يلوم على عدم المساواة في قانون الميراث الإسلامي هم أنفسهم يُسِنّون قوانين لإرغام الزوج السابق على نفقة زوجتها المطلقة كما في الهند. وفي هذه الحالات كثيرا ما تنقلب القرءات المقاصدية إلى قراءات على هوى النفس.

الجزء الثالث من هذا الفصل يُقدِّم القراءات المتنوعة للنص القرآني “الرجال قوامون على النساء……..واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن (النساء 34). وهنا تنقل الكاتبة التفاسير الكلاسيكية مثل الطبري والرازي والزمخشري وابن كثير والتفاسير الحديثة مثل تفاسير محمد عبده ورشيد رضا و فضل الرحمن وفريد إسحق والمودودي وسيد قطب مع القراءات النسوية لآمنة ودود وأسماء برلاس وهادية مبارك وللاّ بختيار ورفعت حسن وفاطمة المرنيسي وكيشيا علي وعائشة شودري وسعدية الشيخ. وتحاول المؤلفة من خلال تفاصيل هذه القراءات أنها ليست متجانسة حتى أن القراءات النسوية يوجد فيها تنوع على قدر كبير. وفي الجزء الأخير من هذا الفصل تناقش المؤلفة ميزات منهجيات في تداخل النسوية الإسلامية وحدودها.

والفصل الثالث تحت عنوان ” القانون الإسلامي والنسوية الإسلامية” يُقسَم إلى ثلاثة أجزاء وتناقش فيها  المؤلفة العلاقة بين القانون الإسلامي والنسوية الإسلامية. نقرأ فيها التفاصيل عن مساهمات كيشيا علي وبهنام صادقي وعائسة شودري وعزيزة الحبري وزيبا مير الحسيني وليلى أحمد وهِنا عزام وماريون كاتز وعاصفة قريشي وجوديت تاكير في هذا المجال كما نستطيع أن نفهم كيف أن مداخلات الأكاديميين والأكاديميات مثل وائل الحلاق ومحمد خالد مسعود ومحمد فضل ومحمد هاشم كمالي وأنور إيمون وخالد أبو الفضل وعبد الله النعيم وعزة حسين وفرحة أحمد ورومي أحمد في الدراسات القانونية ساعدت تطور النسوية الإسلامية.

الفصل الرابع يتناول القراءة الصوفية للنسوية. تحاول فيه المؤلفة أن تُعرِّف العلاقات الموجودة بين الإسلام والتصوف والنسوية من خلال كتابات الأكاديمية الألمانية “آن ميري شِمَّل” كما تُعرِّف على خصائص قراءة سعدية الشيخ لكتب محي الدين إبن عربي. ويكتشف هذا الفصل عن كيف أن قراءة سعدية تختلف عن القراءات الصوفية التي قام بها العمالقة في الدراسات الصوفية مثل حسين النصر وساتشيكو موراتا. والفصل الأخير تحليل شامل تدور على إسهامات النسوية الإسلامية في دراسات ما بعد المرحلة الكولونولية. نقرأ فيه أفكار صباح محمود وحورية بوثلجة وليلى بولغود وليلى أحمد وجوزيف مسعد.

  والكتاب مدخل جيد ومفيد لمن يريد الدراسة عن النسوية الاسلامية بربطها مع مرحلة ما بعد الاستعمار وتفكيك الخطاب الاستعماري. وفي مقدمة الكتاب يذكر الناشرون أنه ستلي هذا الكتاب ترجمة كتاب كيشيا علي المعنون بـ ” الأخلاق الجنسية والإسلام”.

عنوان الكتاب: النسوية الإسلامية: التنوع والتعقد والمستقبل

المؤلفة: أم الفائزة، عدد الصفحات: 240،

سنة النشر: 2021

اللغة: مالايالام

الناشر: Other Books،

 كوزيكود، كيرالا، الهند                      

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp