محبوب الملة إبراهيم سليمان سيت، إنما الرجال مواقف

صبغة الله الهدوي، محرر مجلة النهضة

  القائد المرحوم إبراهيم سليمان سيت، الذي عاش من أجل الأمة الإسلامية الهندية، وترك بصمات هائلة تعبر عن مدى تضحيته وإيثاره لنهضة شعب كان يترنح تحت نير التخلف والرجعيات، فقام ينير الدروب ويستنهض الهمم، ويقدح زناد عزمه لصناعة مجتمع ينافس المجتمعات الأخرى، فاتخذ البرلمان الهندي قلعته الحصينة، فزمجر تارة بنبرات صارخة واطمأن أخرى ببسمات هادئة ووادعة، فيها الجلال والجمال، فكلها  كانت من أجل حلم، نهضة الأمة بأكملها، لم يستسلم للضغطات ولم يحب في دهاليز السلطة، فكم أجبره الآخرون لخفض صوته وكم أغروه بمناصب وألقاب.

 فإذا عصفت بالأمة الإسلامية إقليميا ودوليا أزمات أو مصاعب هب وانتفض ليقعد الدنيا ويقيمها، وظل مرابطا إلى آخر أنفاسه على ثغور الأمة الإسلامية الهندية، أرهف السمع ليلبي نداءات لها أمل وامعتصماه وألمها، فكم شهدت مدينة بومباي  تلك اللحظات المشرقة لا سيما في أعقاب شغب مومباي عام 1993م، فتجول في الحارات والأحياء يواسي المظلومين ويطالب الحكومة الهندية بلا هوادة لتحقيق العدالة في حق المنكوبين، وفي منطقة “مارادو” في ولاية كيرالا الهندية على حين اندلعت هناك فتن طائفية وراح ضحيتها عشرات من الهندوس والمسلمين قام هذا البطل يجول فيها، ولم يكترث بالذين منعوه وهددوه بل قال كلمته ومشى فيهم، يبث رسائل السلام والأمن والوئام.

بتلك الجبهة التي فيها سيماء السجود، وبتلك القلنسوة التي فيها هيبة القائد العبقري، وبتلك البدلة التي تلمع بالعزة والفخر ظل سيت يتحدى الجبناء ويضرب معاقل الخونة بمناجيق الحق والعدل، قالوا له  “رفقا بنا” فقال لهم “بأن الحق ولا يعلى عليه”، نعم، فلتك الذكريات نبضة حية وطاقة روحية في طياتها عوامل نهضة الأمة وأسباب سقوطها.

 وفي زمن حياته لم يستطع للأعداء أن يمس بشعر واحد للأمة، وخابوا في إثارة الفتن الطائفية، فكلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها بإذن الله، وقف وقفة الجيش أمام الشيوعية وأمام الفاشية وأمام كل جبروت وطاغية استغل الأمة.

 فبمواقف جريئة نسجت من السلمية والوطنية سعى مجاهدا في ديار الهند، يدعو المسلمين إلى اتحاد سياسي قوي، ويبعثهم على الثورة العلمية والفكرية، ويستثيرهم لمواكبة العصر ونبذ التطرف والعنف وينذرهم بأخطار الجمود والجحود، رجل جمع الحنكة السياسية والعمق الفكري، عاش أخطر المراحل التي عاشها مسلمو الهند لا سيما في السبعينات والتسعينات، حيث شهدت الهند لمشاهد كانت أبشع من نوعها، موجات من الطائفية تزحف، ومنظمات ترصد بالأقلية المسلمة، وأجندات في بوتقة التطرف والعنف كانت لها قوة وطافة لتوريط شعب لم يتقدم في مجالات التربية والتعليم بكثير، لكن كل هذه الأطياف انحسرت وانكسرت أمام هالة بطل قضى على أحلامهم إنه محبوب الملة إبراهيم سليمان سيت.

سيرته ومسيرته

ولد في بنكلور في أسرة كتش ميمان عام 1922م نوفمبر 3، أبوه محمد سليمان سيت وأمه زينب، وتعلم من حضن أبيه الذي كان على إلمام كبير في اللغات الفارسية والأردوية والإنجليزية، وكان من القلائل الذين حصلوا على الدراسات العليا في تلك الحقبة الزمنية التي كانت الأمة المسلمة بشرقها وغربها ضحية التخلف والانحطاط، فبعد وفاة أبيه المفاجئ انتقلت العائلة من بنكلور إلى تالاشيري في ولاية كيرالا، وواصل مشوار تعليمه بداية من مدرسة برنان بتالاشيري والمدرسة اليوسفية وانتهاء بكلية سنت جوسف حيث تعلم منها علوم السياسة والاقتصاد والتاريخ، وانخرط في سلك الأعمال العامة بكونه أمينا عاما للجنة إصلاح اللسان التي أقيمة لترقية لغة أردو.

ولم يلبث كثيرا لخوض إبراهيم الشباب في ميدان السياسة الهندية حيث تعرف على قائد رابطة المسلمين إسحاق ستار سيت فانجذب في إرشاداته ليوجه شطره نحو  السياسة المسلمة، وذلك في حقبة تضظرم بشتى الأزمات والعراقيل، حيث كانت الهند في أتون الثورات الاستقلالية إلى جانب ما نشأت هناك أفكار وأيدوليجيات تخاطر بحياة المسلمين ما بين شيوعية واشتراكية وفاشية، ووقف إبراهيم الشاب مع إسحاق سيت ورافقه إلى كل الجلسات العامة التي عقدها حزب رابطة المسلمين في ديار مليبار، حتى قدم استقالته من وظيفته في ميوسور ليخوض خوضا سريعا في السياسة، فأصبح رئيس  رابطة المسلمين لفرع بلنجلور.

وفي الستينات تبدأ مسيرته الحافلة بالمغاورات والمفاجآت، حيث انتخب عضوا لبرلمان الهندي من دائرة منجيري، فظل عضوا لبرلمان لأكثر من خمس وثلاثين سنة، وفي خلالها تولى عدة مناصب عالية، من أهمها رئيس هيئة شؤون الأوقاف بكيرالا من 1965 إلى 1975، ونائب رئيس لحزب رابطة المسلمني فرع كيرالا، والأمين العام لحزب رابطة المسلمين على المستوى الوطني، وخلال هذه الفترات عاش سيت وفيا لأمته، فمما يدل على جمهوريته الكبيرة انتصاراته المبهرة وذلك بأغلبية ساحقة في كل الانتخابات، والأجمل من ذلك أنه كان ينتخب في مناطق هي لا تنطق بلغته ولا تميل إلى ثقافته ألبتة، لكنه عاش في قلوب الملايين، ولم يمنعهم حاجز اللغة والثقافة ليحتضنوا هذا البطل المناضل من أجل الحق والعدل، ورأوا فيه امتدادا لقائد الملة محمد إسماعيل صاحب  مؤسس حزب رابطة المسلمين والذي كان ينتخب من نفس المناطق التي انتخب سيت، وكان له علاقة قوية مع قيادات رابطة المسلمين لعموم الهند المتحدة أمثال لياقت علي خان، وظفر الحق، ومحمد علي جناح وغيرهم من أبرز الرموز السياسية المسلمة،

وكان لخطاباته وقع شديد في القلوب حتى كانت تمحو بعض القرارات الحكومية وتثبتها، خطابات بليغة بأداء عميق تنفذ للقلب والروح قبل السمع، ممزوجة بأشعار محمد إقبال ومرزا غالب التي تستنهض الهمم الراكدة وتحرك القلوب السواكن، يبكي لنبراته الشجية السامعون، وأنوا كلما سمعوا من المنبر كلمات سيت التي تبين حالة الأمة المؤلمة رغم قلة فهمهم لتلك الحروف الإنجليزية، لأنه خاطب أرواحهم وفتح أعينهم.

كان صوته مسموع في كل المنصات التي انتصرت لقضايا المضطهدين، من أهم قضية قدس، احتضنها في جوانح قلبه وأعطى لها روحه وخياله إلى أن أسس مجلس الفلسطين لعموم الهند وكان أمينه العام.

وفي عام 2992م ديسمبر 6 حيث تم تدمير مسجد بابري على أيدي آر أس أس نشب الخلاف بينه وبين حزبه حيث طالب  الخروج لحزبه المشترك في الحكومة التي قادها كونجرس في ولاية كيرالا، وكان رأيه أن كوجرس هو المحرك فعلا وراء تدمير مسجد بابري حيث لم يتخذ إجراءات لازمة لمكافحة الهندوس المشتعل بل تخلى من المشهد وتركه لقمة سائغة في أيدي العابثين، فأصر على قراره لكن الحزب بولاية كيرالا رفضه وأعلن بأن النزول من الحكومة لا يزيد إلا في الطين بلة، فوفاء لقراره المحتوم استقال إبراهيم سيت من الحزب الذي كان رئيسه ونزل إلى عرش الملايين، إلى عرش الحب والاحترام، ولم يتشبث بخيوط المناصب المهترئة ولم يتورط في تلك الخطط الموهومة، عاش على مبادئه وقراراته بل عاش لصالح الأمة شاء من شاء وأبى من أبى.

لقد كان نادرا من نوادر الزمان التي أنجبته الهند، كان غيورا على شعبه، ولم يسغ له أن يجلس مغ الخونة الذين مهدوا الطرق إلى تدمير مسجد بابري، لأن لم يعرف سياسة المداهنة والمفاوضة، ولم يتخرج من مدارس الجبناء الذين كلما هاج بهم موج أصبحوا آيسين قانطين، وكان يؤمن بأن لوحدة المسلمين قوة لقلب كل كراسي وخلع كل طغاة حتى أسس حزبا جديدا عام 1996م باسم الرابطة الوطنية الهندية واشترك في الانتخابات لتفوز بعدة علاقات، لكن بعد وفاته عام 2005م ضعف ركنه وشاخ عوده فلم يستطع له النهوض ولم يستطع له أن يخترق هالة رابطة المسلمين لعموم الهند فما كان له إلا أن يجثو أمام الجبهة اليسارية ذلا ومهانة.

لقد رأى مسلمو الهند شجاعته وغيرته  في أكثر من الأحداث، وذلك حين خططت الحكومة الهندية لسحب امتيازات الأقلية من جامعة علي جره حيث وقف يفند دعايات المتآمرين ويجهض أحلامهم بدون أي رحمة، لم يسمح لهم لسحب البساط من تحت الأمة، كما حارب لحماية الشريعة في قضية شاه بانو ، وتاريخ البطل لم يتوقف عند هذا الحد، إنه البطل الذي خاطر بحياته في منطقة جبلبور عام 1962م، ووقف كسد منيع في وجه الذين خربوا ديار المسلمين ونكلوا بهم تنكيلا، فكلما لمست آذانه صرخات المستضعفين وويلات الملهوفين هب وركض وامتطى على جواد عزمه، كانت عينه تحرس خيام الأمة، رأى فيه المسلمون الهنود أملا وحلما لا سيما في فترة تخلى عنهم الكثيرون، ولم يخض السياسة خوض الثعلب المكار ، يسرق من هنا وينهب من ذك، عفيف اللسان، وفي العهد لحد أن أحبه الملايين ما بين هندوس ومسيحي ومسلم، وذلك إنه لم يرفع صوته إلا لإقامة العدل ونصرة المظلوم.

خطيب مصقع، ينبض قلبه بنبضة الأمة، سافر إلى العواصم الإسلامية وكان ضيف شرف لدى رابطة العالم الإسلامي لأربع مرات، واشترك في مؤتمر الأديان الذي انعقد في شيكاغو ممثلا الهند، ومثل مسلمي الهند في عدة الندوات الوطنية والدولية، وأنجز مهمته ونفذ خطته، ولم ينتصر إلا للحق والعدل.

وفي أواخر أيامه حيث اعتزل الساحات العامة يحكى أنه تمنى للعودة إلى خيمته الأولى وإلى منزله الأول، حزب رابطة المسلمين لعموم الهند، لكن رغم  عدم عودته ظل محفورا في ذاكرة كل رابطي عاش زمنه وأصبح بطلا في قلوب من لم يره، فتلك مسيرة إبراهيم سليمان سيت التي طالت أكثر من ثمانية عقود، لتكون آثاره ومآثره عصية على الزمان.

.

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp