لكل ذكرى حكاية انتفاضة مليبار لحماية “الضاد”

د.محمد علي الوافي كرواتيل رئيس قسم اللغة العربية/ حرم الوافي الجامعي، كالكاو، كيرالا، الهند

تعد ولاية كيرالا، الواقعة في أقصى جنوب الهند، بقعة غير عربية تنشط فيها الحركات العربية والإسلامية أكثر من أية بقعة غير عربية في العالم. ولها أسباب كثيرة ومن أهمها، أن المسلمين في ولاية كيرالا قد اعتنقوا الدين الحنيف في العهد النبوي صلى الله عليه وسلم. الموقع الجغرافي لبعض المناطق الهندية الساحلية قد لعبت دورها الريادي في الاحتكاك اللغوي والتبادل الثقافي بين العرب وسكان الهند، وبسبب هذا الاحتكاك اللغوي والتبادل الثقافي تطوّرتْ حضارةٌ فريدةٌ في جنوب الهند. وهذه الحضارة الإسلامية تختلف عن الحضارات التي نشأت في شمال الهند، لأن الإسلام وصل إلى شمال الهند بأيدي الفاتحين. وهذه العلاقة اللغوية والحضارية لا تزال تستمر منذ تاريخ التجارة البحرية بين العرب والهند. وعلاوة على ذلك فإن الهند قد شهدت عقودا طويلة لسلطنة المسلمين وإمارتهم. وهذه الدولات المختلفة تحت قيادة المسلمين في الهند قد أثرت تأثيرا إيجابيا في تطوير اللغة العربية في الديار الهندية، حيث اتخذوا مشاريع متنوعة في سبل تقدمها وارتقائها وطبقوا خطط ناجحة لأجل بقاء اللغة العربية في الديار الهندية.

ولاية كيرالا واللغة العربية

ولما تشكلت الولايات الجديدة في الجمهورية الهندية بعد استقلالها من براثن الاستعمار البريطاني، تشكلت ولاية كيرالا الواقعة في أقصى جنوب الهند على أساس اللغة مالايالم (The Malayalam) التي يتكلم بها جميع من يعيش في هذه الولاية. وهذه الولاية التي يشكل المسلمون ربع عدد سكانها لمن احدى الأرضيات الخصبة للغة العربية، إذ إن هؤلاء المسلمين كانوا يمارسون اللغة العربية بل يعايشونها في عباداتهم وطقوسهم وتقاليدهم الدينية الإسلامية. ولكن كانت هناك بعض التحديات الاجتماعية التي واجهها المعلمون لمادة اللغة العربية في المدارس الأهلية، حيث إن الحكومة اعتبرتهم كمعلم ثانوي في سلك التدريس الحكومي، وهذا الموقف السلبي من الحكومة تجاه وظيفتهم المدرسية ومكانتهم الاجتماعية قد أدى إلى عدم قدراتهم لتولية بعض المناصب الجديرة في المدارس الأهلية والحكومية.

دور الأحزاب السياسية في تطور اللغة العربية

الفضل في تحسين الظروف التعليمية لمادة اللغة العربية في المدارس الأهلية، يعود إلى جهود بذلتها رابطة المسلمين للاتحاد الهندي (The Indian Union Muslim League)، إذ إن نواب هذه الرابطة قد رفعوا أصواتهم في المجلس التشريعي لكي تحصل اللغة العربية ومعلّموها مكانة تساوي المكانة التي حصل عليها غيرهم من المعلمين. وفي سنة 1967م، تحت قيادة سي. أتش محمد كويا (C.H Muhammad Koya) وزير التربية والتعليم لولاية كيرالا، سنّت القوانين لإزالة تلك المعرقلات في سبل اللغة العربية وتعليمها في الولاية. ومن ضمن تلك القوانين الظالمة إن معلم اللغة العربية لا يوظف بشكل كامل في السلك الحكومي إلا إذا بلغ عدد الدارسين 100طالبا، بينما يوظف غيره من المعلمين بدون هذه الشروط، وكذا إن قيمة كتاب اللغة العربية في المنهج الدراسي كانت غالية جدا بالنسبة إلى غيره من الكتب الدراسية. ورابطة المسلمين للاتحاد الهندي ونوابها ووزراؤها قد حاولوا بجميع الطرق والوسائل لإبعاد هذه القيود الظالمة والشروط الغريبة عن القوانين الحكومية، وقد نجحت مهماتهم حيث زاد عدد المعلمين لمادة اللغة العربية من 1000 معلم في سنة 1967م إلى أكثر من 10000 معلم بحلول سنة 1980م[1]، وتساوت القيمة للكتب الدراسية في المنهج الحكومي.

وفي سنة 1980 تولى الحزب الشيوعي (The Communist Party) مقاليد الحكومة في ولاية كيرالا بعد 11 سنوات متتالية. والاستراتيجيون السياسيون في الحزب الشيوعي قد حللوا تلك الأسباب التي أبعدتهم عن الحكومة لهذه المدة غير اليسيرة، فوجدوا أن أقوال المدرسين لمادة اللغة العربية كان لها النفوذ الكبير في الوسط الديني في الديار المليبارية. وطبعا، هؤلاء المعلمون كانوا في موقف معاكس للحزب الشيوعي الذي يعتمد على التعاليم الماركسية المضادة للمعتقدات الدينية والإسلامية. وعلى أساس هذه الملاحظات السياسية أخذت الحكومة الشيوعية بعض المشروعات المنتقمة والخطط المستهدفة لاستئصال اللغة العربية عن ولاية كيرالا.

التظاهرات والمقاطعات

ارتفعت الأصوات بالشكاوى ضد هذه القرارات الحكومية المحايدة، حيث إنها تهدد بانقراض اللغة العربية في الديار المليبارية. وقد تهاجمت اللجان والجمعيات لمعلمي اللغة العربية في ولاية كيرالا بالتعاون مع الأحزاب السياسية الكبرى مثل رابطة المسلمين للاتحاد الهندي على هذه القرارات الحكومية الظالمة. وقد وجدت الجمعيات واللجان للغة العربية المقاطعة والإضراب العام هو السبيل الوحيد لإرجاع الحكومة عن موقفها ضد اللغة العربية، فبدأوا يواصلون الإضراب العام ويستمرون في مقاطعة المكاتب الحكومية والأهلية لكي تنظر الحكومة في قراراتها الثلاثة الصادرة لأجل توقف اللغة العربية وانتشارها في المدارس المليبارية.

رابطة المسلمين تقود المقاطعات

وفي خطابه الافتتاحي لهذه الاحتجاجات والتظاهرات أمام مبنى المجلس التشريعي بعاصمة الولاية، قال سي. أتش محمد كويا (C.H Muhammad Koya) الأمين العام لرابطة المسلمين للاتحاد الهندي (The Indian Union Muslim League) مخاطبا للحشد الكبير من المعلمين ومحبي اللغة العربية: “ينبغي عليكم أيها المعلمون أن تترفعوا عن مثل هذه الاحتجاجات والتظاهرات، لأنكم مسؤولون بتثقيف هذه الأمة بثقافة عالية رفيعة، وقد تزول مشاكلكم حينما تزداد رواتبكم الشهرية. ولكن هذه القرارات الحكومية لم تستهدف رواتبكم ولا مناصبكم بل هي تصوب سهامها ضد اللغة العربية وأزعمت أن تستأصل اللغة العربية من المجتمع المليباري، ولهذا السبب وإن هذه التظاهرات والاحتجاجات قد تولتها الأمة الإسلامية وحزب رابطة المسلمين للاتحاد الهندي (The Indian Union Muslim League). يا أيها المدرسون للغة العربية ارجعوا إلى مدارسكم فإن الأمة قد تولت هذه الاحتجاجات والتظاهرات”[2]

منذ اليوم الأول من تولية رابطة المسلمين للاتحاد الهندي (The Indian Union Muslim League) زمام الأمور، نظمت رابطة الشبان المسلمين (Muslim Youth League) وقفة المقاطعة والإضراب العام في المدن المختلفة في ولاية كيرالا. وهذه المقاطعة قد شلت الحركات الحكومية في جميع الإدارات في القطاع العام والخاص. وتماشيا مع مسؤولياتها الدينية والاجتماعية الهادفة إلى جعل المستقبل زاهرا للغة العربية في الديار المليبارية، نظمت رابطة المسلمين جلسات توعية وحفلات مسائية قامت من خلالها بإحاطة الحاضرين بمدى التحديات التي سوف تواجهها الأمة بعدما تطبق هذه القوانين الحكومية المحايدة في المدارس الأهلية في ولاية كيرالا، إذ إنها لم تكتف بإزالة بعض المعلمين عن السلك التدريسي، بل إنها تستهدف إلى سلخ المجتمع الإسلامي في ولاية كيرالا من هويتها اللغوية.

استشهاد لأجل بقاء العربية في الهند

وفي يوم الثلاثين من شهر يوليو في سنة 1980م، الموافق ليوم السابع عشر من شهر رمضان في سنة 1400ه، اجتمع الحشد الكبير من المعلمين وأعضاء الأحزاب السياسية ومحبو اللغة العربية مقاطعين الحركات الحكومية في قطاع العام والخاص، يرفعون شعارات تطالب الحكومة ووزارة التربية والتعليم لمراجعة النظر في القوانين الهادفة إلى زوال اللغة العربية من المدارس الحكومية والأهلية. وقد شارك في هذا التظاهر والاحتجاج الجماعي العدد الكبير من المسلمين حيث كانوا قلقين عن مسار اللغة العربية ومستقبلها في الولاية، وقد شاركوا صائمين في هذه الاحتجاجات الآمنة، لم يلحقوا أي ضرر إلى الممتلكات العامة والحكومية، إلا أن الأمور قد انقلبت عن رأسها حينما أمر ضابط الشرطة واسوديفا مينون (Vasudeva Menon) لمرؤوسيه الأوامر الشرطية لإطلاق النار على الحشد الكبير مما أدى إلى حدوث المشاكل وإشاعة الفوضى وتكدير الأمن العام وترويع المتظاهرين الآمنين وجعل حياتهم في خطر.

واستشهد في المكان ثلاثة شبان أصيبوا بأعيرة نارية إثر محاولات الشرطة لتفريق تجمعهم الاحتجاجي، وفتحت الشرطة نيران أسلحتها الرشاشة وأطلقت الرصاص صوب المقاطعين الذين يتظاهرون سلميا في يوم السابع عشرة من شهر رمضان. وكأن الحكومة قد عزمت على استهداف المسلمين ومحبي اللغة العربية الذين يتظاهرون بشكل سلمي بدون إنذار سابق، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة شبان في مكان التجمع الجماعي. وقد نسج هؤلاء الشبان الثلاث ذكريات المكافحة الدامية لأجل بقاء اللغة العربية في الديار المليبارية. واستشهد كل من عبد المجيد (Abdul Majeed)[3] البالغ من عمره 24 سنة، وعبد الرحمن (Abdul Rahman)[4] البالغ من عمره 22 سنة، وعبد الله الملقب بكونجيبا (Kunhippa)[5] البالغ من عمره 24 سنة. وأصبحت هؤلاء الأبطال من تلك الرموز التي لا تزال تحرض نفوس المسلمين ضد أية حركة تستهدف اللغة العربية في الديار المليبارية، واشتهروا في تاريخ اللغة العربية في ولاية كيرالا باسم مجيد رحمان كونجيبا (Majeed Rahman Kunhippa)، وصارت هذه الأسماء الثلاثة بمجموعها لقبا واحدا ورمزا شعبيا للدلالة على غيرة المسلمين المليباريين على الاحتفاظ بهوية اللغة العربية في الديار الهندية.

وعلاوة على الترويع والاستشهاد، وقد أصيب المئات من المتظاهرين، بجروح بليغة وبحالات اختناق، وذلك عقب قمع الشرطة مسيرتهم الاحتجاجية السلمية، وكان آلاف المتظاهرين اصطفوا في موكب وتوجهوا إلى المراكز الحكومية في المدن المليبارية مقاطعين للحركات الحكومية، إلا أن الشرطة قمعتهم بالرصاص والغاز المسيل للدموع، مما أدى إلى إصابة العديد منهم بالجروح والاختناقات. ودعا المصابون والأحزاب السياسية مثل رابطة المسلمين إلى الحفاظ على وحدة الصف الإسلامي والتصدي لكل المؤامرات التي تحاك ضد اللغة العربية من جانب الحكومة الشيوعية. وكانوا يرفعون أصواتهم بالاحتجاج مطالبين بإلغاء جميع القيود والشروط التي تعقم الخصبة اللغوية وتطورها في الديار المليبارية.

انسحاب الحكومة عن القرارات

وهذه التظاهرات والاحتجاجات وما تلاها من القتل والاستشهاد قد أدت الأوساط العلمية والاجتماعية والسياسية إلى الحوار الجاد والتفكر والعميق حول الأسباب التي أثارت نيران المكافحة في ميدان الثورة اللغوية. ومن الخصائص الاجتماعية العلمانية السائدة في الديار المليبارية ألا ينتبه إلى مثل هذه الخطوات اللغوية الأجنبية إلا بعد أن وصلت التظاهرات اللغوية إلى ما وصلت هذه الثورة اللغوية، إذ إنها قد تصيدت ثلاثة شبان أبرياء، فبدأ الوسط العلماني (Democratic Circle) في ولاية كيرالا يلاحظ الحركات التي تجري في المجال الأكاديمية. وقد جرت حولها المناقشات الحارة، وأقرت الحكومة الشيوعية عن تقصيرها باتخاذ بعض الشروط والقيود التي تلجم تطور اللغة العربية في الهند، فسحبت هذه الشروط الغريبة عن المدارس الحكومية والأهلية في ولاية كيرالا، حتى بزغت شمس فجر جديد في أفق اللغة العربية في الديار المليبارية.


[1] Thirurkad, Mubarak. Keralathile Arabi Padanavum 1980 le Basha Samaravum. First edition 2015. Published by Grace Educational Association. Malappuram, Kerala, India. Page:20.

[2] Thirurkad, Mubarak. Page:29.

[3]  عبد المجيد (Abdul Majeed) هو من منطقة وايلا بورام (Vailappuram) من مقاطعة مالابورام (Malappuram).

[4]  عبد الرحمن (Abdul Rahman)، هو من منطقة تينجي بالام (Thenjippalam) من مقاطعة مالابورام (Malappuram).

[5]  عبد الله الملقب بكونجيبا (Kunhippa)، هو من منطقة كالي كاو (Kalikavu) من مقاطعة مالابورام (Malappuram).

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp