آيات التفاءل من جنوب الهند، أمة تنهض

الهند من تلك البلدان التي شهدت لسلطة العلم والحكم طوال السنين الغابرة في مختلف فنونها وشؤونها وبدأ تاريخها من زمن بعيد حيث كان هناك زعماء روحانيون وشيوخ ربانيون الذين خضعت لهم العباد والبلاد.

ولما أتى حين من الدهر ازدهرت الهند وأرصفتها بازدهار حكام المسلمين الذين بنوا مجدا شاهقا وتراثا حضاريا وبنيانا تاريخيا.حيث قال المؤرخ العلامة الشيخ علي الطنطاوي في تاليفه (رجال من التاريخ)

: نحن الان في الهند. في القارة التي حكمناها الف سنة ,  في الدنيا التي كانت لنا وحدنا وكنا نحن سادتها في الفردوس الاسلامي المفقود حقا ولئن كانت لنا في اسبانيا أندلس فيهـا عشرون مليوناً ، فلقد كان لنا هاهنا أندلس أكبر ، فيها اليوم أربعمائة مليون  خمس سكان الأرض ، ولئن تركنا في الأندلس من بقايا شهدائنا ، ودماء أبطالنا ، ولئن خلقنا فيها مسجد قرطبة والحمراء ، فإن لنا في كل شبر من هذه القارة دماً زكياً أرقناه، وحضارة خيرة وشيت جنباتها ، وطرزت حـواشـيهـا ، بالعلم والعدل والمكرمات والبطولات، وإن لنا فيها معاهد ومدارس ، كم أثارت عقولا ، وفتحت للحق قلوباً ولا تزال تفتح القلوب ، وتنير العقول ، وإن لنا فيها آثاراً تفوق بجمالها وجلالها الحمراء ، وحسبكم ( تاج محل ) أجمل بناء على ظهر الأرض.[1]

وهذه الايام المزهرات تتابعت من أمد الى أمد حتى كان احد حكامها المعروف قطب الدين أيبك قائد السلطان الغوري يفتح المدن بسيفه كان الشيخ معين الدين الجشتي يفتح القلوب بدعوته….

هذا هو التاريخ الهندي الذي يستضاء به الكثير في ما مضى .

وبعد كر الدهور ومر العصور اصبحت تلك الزبالة الايمانية تتمايل في اعاصير العدى والفتن ما ظهر منها وما بطن حيث ضاعت للامة الاسلامية الفردوس الذي سماها الشيخ الطنطاوي بالفردوس المفقود وباتت جدرانها ومناطقها تئن وتحنّ وتبكي :

ما أنضر الروض إبان الربيع وقد                              سقاه ماء الغوادي فهو ريانُ

غنــــــت بلابله لــــــحنا فأطــــــربــــــــــني                                    فانما هي في العيدان عيدانُ

والآن حينما تشتد الهند في حبال العصبية وتنقطع وصالها و تنطفئ نيران المصابيح  التي أوقدها الاجلاء الشرفاء  , دعني اقول بكل صراحة انها لن تنطفئ ولن يدع اشبال هذه الغابة أن يأخذ الاعداءُ مايشتهون وذلك بأن جيلا جديدا يترعرع  هنا ترعرعا اسلاميا عقديا يغلب هذه العقبة المعوجًّة

جنوب الهند من أوائل البقَاع الهندية وصولا الى الايمان

وكما قال بعض المؤرخين انّ جنوب الهند هي مِن أول البلاد الذي وصلت اليها رسالة الاسلام في نفس الزمن الذي استنارت حجاز بالرسالة المحمدية الخالدة.

وإن الصحابي الجليل مالك بن دينار ومن تبعوه , وصلوا  الى سواحل جنوب الهند وتشرفت بهم البلاد والعباد حتى جاء الناس الى دين الله افواجا وظلت هذه الرسالة تستنير في ديارها الى الان.ودعنا نلقي بعض النظرات إلى آيات التفاؤل التي ستصبح فيما بعد أملا كبيرا لجميع العالمين .

المثال التعليمي في جنوب الهند

إن جنوب الهند كما سبقت الاشارة من تلك البقاع التي مهّدت للعلم والحكمة في أيامها الغابرة ولا تزال تساهم مساهمة كبيرة في هذا المجال . ومما تيستحق الاهتمام ان هذه المساهمات الطيبة لها أثر بارز في تكوين جيل مثقّف متحضّر يعرف تعاليم الاسلام والمسلمين

الجامعات الدينية الفائقة

في ديار جنوب الهند هناك ثلاث جامعات علمية كبيرة التي تنتمي إليها كليات كثيرة متشعبة (ولست واقول عن تلك الجامعات التي تجرى تحت الحكومة وتمويلها)

ومن أبرز الجامعات :

  1. جامعة دار الهدى الاسلامية

هي من أهم الزراعات الدينية التي قد تم تثمير عدد كبير من العلماء العباقرة والتي يتخرج منها كل عام مئات المتخرجين الذين جمعوا بين العلوم الدينية والعلوم المادية والانسانية وانهم يعملون في مختلف البلدان شرقا وغربا في ميادين الدين والهندسة وما الى ذلك من المساعي الممتازة.

تُعد جامعة دار الهدى الإسلامية، التي تقع في ولاية كيرالا الهندية الجنوبية، مؤسسة سباقة في التعليم العالي الإسلامي بالهند، إذ توفر الجامعة مناهج دراسية تمزج ما بين الدراسات الدينية والأخرى العلمية، فضلاً عن التركيز على تدريس مختلف اللغات.

ومن منطلق الإيمان بالتطور التدريجي لطراز الجامعة الإسلامية النموذجي، تعد الجامعة قلعة من قلاع تدريس كل التعاليم الإسلامية، كما تعد تراثًا تعليميا بامتياز.

ويقع الحرم الجامعي المترامي الأطراف لهذه الجامعة العريقة على مساحة 13 فدانًا، ويضم ما يزيد على 20 كلية عربية للتعليم الإسلامي العالي تابعة للجامعة، من ولايات كيرالا، وماهاراشترا، وأندرا براديش، والبنغال الغربية، وآسام. وتتبع تلك الكليات الجامعة من حيث المناهج الدراسية والأنشطة التعليمية الأخرى. وبعد إتمام الطلبة لشهاداتهم الجامعية بنجاح، من تلك الكليات التابعة للجامعة، يتوجب عليهم الالتحاق بالحرم الجامعي الرئيسي للجامعة للانخراط في الدراسات العليا لمدة عامين من أجل الحصول على درجة الماجستير

  • الجامعة النورية العربية

هذه الجامعة من أقدم الجامعات التي أسست في جنوب الهند للدراسة العليا والماجستير في مجال الدين على أيد مباركة للسادات والعلماء والزعماء الكبار. والجامعة النورية توقع بصمات جلية في مظاهرات الإجتماعية  وتجديد الأمة في ولاية كيرلا. فالجامة لما لما تقضي أكثر من  54 سنوات من عمرها قد أسلفت عمليات متينة ومساهمات تجدر بالذكر للأمة المسلمة والدين الإسلام قاطبة. فتاريخها تاريخ التقدم المتفاخر. فاالجمامعة المتقدمة في مجال العمليات لها مكانة لا مثيلية في الأمة الإسلامية وإصلاح المجتمع الدينية.ومما ينبغي أن تتطور مناهج التعليم الدينية بتأهلات مزية وأدوات متطورة وسهوليات حديثة وفقا لما يتطور العالم في مجال وسائل الإعلام و التكنولوجيا وميادين الذهنية. الجامعة النورية نظمت الان المناهج الدراسية الإسلامية وفقا للعصر الراهن ملبيا نداء العصر وأهمية البيئة. هذه الجامعة اللامثيلية المؤسسة سنة 1963 م المتلئلئة في أفق العلوم الشرعية مثل كوكب الدري تتلقي تحديات جديدة وتخطط خططا حديثة. فا الجامعة صارت معالم هامة في تجديد مسلمي ولاية كيرلا أكثر من أنها كانت معهدا إسلاميا. ولا شك في أن الجامعة كانت هي الخطوة التجاذبية في نهضة التعليم الدينية والإجتماعية في ولاية كيرلافي النصف القرن الماضي.

قد استطاعت للجامعة أن توقع بصماتها القيمة وخدماتها الجلية ومساهماتها الخصبة في المساجد والدروس والمدارس الإسلامية وديار الأيتام و معاهد التعليمية والتربية، حيث أن كل تقدم وتطور حصلته الأمة الإسلامية في ولاية كيرلا طول نصف قرن السافل إنما هو بواسطة خريجها أم بقوادها. ارجع بصرك كرتين في أنحاء ولاية كيرلا فتري الواعظين والكاتبين والناظمين والمعلمين والمدرسين والخطباء الذين يسعون جدهم وجهدهم لإعلاء عقيدة أهل السنة والجماعة يكون جلهم إما خريجين هذه الجامعة الشريفة أو تلامذهم أو تلامذ تلامذهم. فالمفاد أن الجامعة النورية قد أثرت ولاية  كيرلا في مجال التعليم الدينية أكثر مما أثرت حركة عليغد الهند في مجال التعليم المادي. إذا أطلقت لفظ “الجامعة”  للجامع الملية في دهلي فإطلاقها في ولاية كيرلا  للجامعة النورية نفسها بدون شك ولا ريب.

  • جامعة تنسيق الكليات الاسلامية

تنسيق الكليات الاسلامية هيئة علمية اكاديمية شبه الجامعة التي تنتسب اليها حتى الان اكثر من 90 كلية للبنين والبنات وإنها من العضو الرئيسي لرابطة الجامعات الإسلامية بالقاهرة والتي وقعت إتفاقية التعاون مع المنابر الإسلامية العالية منها جامعة الأزهر الشريف وجامعة القاهرة وما إلى ذلك من الجامعات الدولية الكبيرة

وتنسيق الكليات الإسلامية قد تلقى صدى هذا الجيل الجديد ونداء الامة المقبلةوتسعى الى اخراج امة بنيت على الاحسان والانكشاف جماعة ركبت على الامن والإيمان ولكي يُخرج امة و جيلا جديدا يجمع بين العلوم الدينية والمادية و معارف الوحي والعلوم الانسانية تحت مظلة واحدة. الذين يتخرجون من هذه الكليات يلقبون بالوافي.

واكبر ميزة لهذه الجامعة انها تزوّد  فرصة كبيرة للبنات اللواتي قلما يتجهن  الى الدراسة الدينية في ديار جنوب الهند

ومناهج هذه الجامعة وموادها من ابرز المناهج التي تتوافق مع العصر ولها مكانة مرموقة لإنعاش الطلبة في مجال التعلم والتدرّس والتمرن حيث يرشدهم حتى على خدمة اجتماعية خلال دراستهم فيترعرعون في شعور اجتماعي حسّاس ويتعاملون مع المجتمعات .

علاوة على هذا تتوفر في ديار كيرلا مناهج علمية ودينية على اسماء مختلفة وكلها تتركز على التعليم الديني والمادي معا

والذين يتخرجون من هذه الكليات هم دعاة الغد وحاملو الرسالة الاسلامية الغراء والوسطية التي اخرج الله هذه الامة لهذا حيث قال (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)

وإن مما لا مجال للشكوك والارتياب ان هذه المناهج الدينية التي تشتمل كل هذه الدراسات والتعليمات النقية الخالصة من كل شوائب  ستنير طريق الجنوب الهندي كله بل الهند كلها في الايام المقبلة حيث تبقى فيها آثارها وأماراتها وعلامات الدين الاسلامي كما قال الشاعر العلامه محمد اقبال في شعره الاردي وترجمته

لَم تُعلمِ الاديان شحناء ولا                      بين الاخوة مقتلا وعداء


[1]  رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp